أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٨ - و أمّا المقام الثاني ففي الدليل النقلي المؤيّد بالدليل العقلي

السرّ فيهما؛ إذ الأوّل دالّ على أنّ لهما سرّا دون الثاني، و لكنّ وصف الباري المنزل للقرآن بأنّه عالم السرّ يشعر بأنّ للقرآن سرّا، و إن كان فيما مضى غنى و كفاية.

بقي أمر هامّ، و هو: أنّ نطاق الدليل خاصّ بالموجود التكوينيّ، و هكذا ظاهر غير واحدة من الآيات المارّة الذكر، لظهورها في الموجود العينيّ، و حيث إنّ الصلاة و غيرها من العبادات أمور اعتباريّة مؤلّفة من عدّة أشياء لا وحدة لمجموعها فلا وجود للمركّب منها، إذ الوجود مساوق الوحدة يدور معها حيثما دارت، فمتى انتفت الوحدة في مورد ينتفي الوجود هناك، و لمّا انتفت الوحدة الحقيقيّة للمؤلّف من تلك الأمور:

كالركوع و السجود و القراءة و القيام و الذكر و النيّة و نحوها فلا وجود للمركّب منها، و عليه فلا يندرج تحت الدليل العقليّ، و لا يشمله الدليل النقليّ؛ لاختصاصهما بما له وجود عينيّ.

و الحلّ هو: أنّ الأمر الاعتباريّ قد يكون اعتباريّا محضا لا منشأ له عدا الاعتبار الذي زمامه بيد المعتبر، و قد يكون اعتباريّا مستندا الى موجود تكوينيّ هو المصحّح له.

و القسم الأوّل من الاعتباريّ خارج عن البحث، كما أنّه خارج عن نطاق الدليل الدالّ على أنّ لكلّ شي‌ء سرّا.

و القسم الثاني منه داخل في البحث، كما أنّه مندرج تحت الدليل المذكور، إذ الذي يكون استناده إلى أمر تكوينيّ عينيّ يكون محكوما بحكمه سعة و ضيقا، فهناك وحدة حقيقيّة يدور معها الوجود الحقيقيّ، فهناك سرّ تكوينيّ نصّا.

ثمّ إنّه يمكن أن يستأنس ببيان آخر لإثبات السرّ للصلاة، من حيث اشتمالها على القرآن الذي تكلّم به اللّٰه تعالى، و حيث إنّ المتكلّم قد تجلّى في كلامه و كتابه- كما قال أمير المؤمنين ٧: «فتجلّى لهم سبحانه في كتابه، من غير أن يكونوا رأوه بما أراهم من قدرته» [١]- فيكون المتكلّم المتجلّي سرّا و غيبا و باطنا في كلامه، فالقارئ المصلّي إذا تدبّر في القرآن الذي يقرأه في صلاته و تطهّر عن دنس‌


[١] نهج البلاغة: الخطبة «١٤٧».