أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٧ - و أمّا المقام الثاني ففي الدليل النقلي المؤيّد بالدليل العقلي
فله بما فيه من المضامين خزائن إلهيّة، قد تنزّل القرآن من تلك الخزائن الطوليّة، كما أنّ الصلاة و غيرها معدودة من النظام الكيانيّ المعبّر عنه بالسماوات و الأرض فلها أيضا خزائن، إذ للسماوات و الأرض خزائن، و لمّا كانت تلك الخزائن عند اللّٰه سبحانه- وَ مٰا عِنْدَ اللّٰهِ بٰاقٍ، و ما عند غيره فان كما قال سبحانه «مٰا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مٰا عِنْدَ اللّٰهِ بٰاقٍ» [١]- فأسرار السماوات و الأرض الّتي منها الصلاة موجودات خارجيّة مصونة عن النفاد، و لا تنال إلّا بالصعود إليها بعد هجران النافد الزائل، إذ لا يمكن الوصول إلى الباقي إلّا بعد هجرة الفاني؛ لأنّه حجاب لا محيص عن تركه.
و ممّا يدلّ أيضا على أنّ للصلاة- كغيرها- سرّا قوله تعالى «فَسُبْحٰانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ» [٢] لدلالته على أنّ لكلّ شيء ملكوتا يلائمه التسبيح، بخلاف الملك الذي يناسبه التبارك كما قال تعالى «تَبٰارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ»، حيث إنّ التبارك من الأسماء التشبيهيّة، و السبحان من الأسماء التنزيهيّة. و لمّا كان لكلّ شيء ملكوت- و هي أمر وراء الملك، و من شاهدها كان من أصحاب اليقين كما قال تعالى في إبراهيم ٧ «وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ» [٣]- فللصلاة أيضا ملكوت تكون هي سرّها، و تلك الملكوت ثابتة؛ لأنّها بيد اللّٰه تعالى لا بيد المصلّي، و لا تنال تلك الملكوت السرّيّة إلّا بعد السفر من الملك.
و لعلّ قوله تعالى «قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ» [٤] تلميح إلى بعض ما مرّ؛ و ذلك لأنّ وصف اللّٰه الذي أنزل القرآن بأنّه عالم السرّ يشعر بأنّ للقرآن المشتمل على ما فيه من المعارف و الأخلاق و الأحكام سرّا فلجميع ما فيه أيضا أسرار.
نعم، فرق بين أن يقال: إنّه عالم سرّ السماوات و الأرض، و أن يقال: هو عالم
[١] النحل: ٩٦.
[٢] الأنعام: ٧٥.
[٣] يس: ٨٣.
[٤] الفرقان: ٦.