أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٦٠ - الصلة الرابعة في سرّ القيام و الركوع و السجود و

للّه و لأمره و نهيه من الشيطان الغويّ، و النفس الأمّارة بالسوء، و الدنيا الغرور. و أمّا بالقياس إلى اللّه تعالى فكلّ قيام عنده قعود، و كلّ اعتدال عنده انحناء، و كلّ إقامة صلب عنده انكسار و نحو ذلك؛ لأنّ كلّ حيّ بالقياس إليه تعالى ميّت، و كلّ عليم بالقياس إليه جاهل، و كلّ قادر بالنسبة إليه عاجز، حيث إنّ كلّ شي‌ء بالقياس إلى وجهه الباقي هالك، و لذلك قال أمير الموحّدين عليّ ٧: «كلّ قويّ غيره ضعيف، و كلّ مالك غيره مملوك، و كلّ عالم غيره متعلّم، و كلّ قادر غيره يقدر و يعجز، و كلّ سميع غيره يصمّ عن لطيف الأصوات، و يصمّه كبيرها، و يذهب عنه ما بعد منها، و كلّ بصير غيره يعمى عن خفيّ الألوان و لطيف الأجسام، و كلّ ظاهر غيره باطن، و كلّ باطن غيره غير ظاهر.» [١].

فالمصلّي المناجي ربّه لا بدّ و أن ينحني، و يركع أو يسجد ليتمثّل ما هو السرّ في مرحلة التنزّل، كما أنّ انحناء ظهره و مدّ عنقه للضرب و نحوه و إن كان ركوعا أو سجودا للّه تعالى و لكنّه بالقياس إلى أعداء دين اللّه تعالى قيام و اعتدال، كما أنّ القيام نفسه و إن كان للذبّ عن الدين قياما و لكنّه بالقياس إلى القيّوم المحض انخفاض و انحطاط، حسبما يستفاد من قول مولى الموحّدين ٧: «. غنى كلّ فقير، و عزّ كلّ ذليل، و قوّة كلّ ضعيف، إذ كلّ شي‌ء له داخر و ساجد، و لا يملك شي‌ء لشي‌ء نفعا و لا ضرّا» [٢].

فالقويّ بالقياس إليه تعالى ضعيف أوّلا، و بالقياس إلى أحياء أمره و الدفاع عن دينه و إن كان قويّا و لكن لا بالذات و بالأصالة، بل بالعرض و التبع ثانيا؛ لأنّ قوّته كانت باللّه الذي هو قوّة كلّ ضعف، فلا يلتبس الأمر على أحد بأن يرى نفسه مقتدرا، بل على الإنسان أن يعقل أوّلا، و يقتديه جميع شئون إدراكه و تحريكه الّتي هي شيعة العقل و أمّته ثانيا، بأنّه- بحول اللّه تعالى و قوّته- يقوم و يقعد، و يعتدل، و ينحني، و يذبّ و يصول، و ما إلى ذلك من الأوصاف الّتي يكون بعضها بالقياس‌


[١] نهج البلاغة: الخطبة «٦٥».

[٢] نهج البلاغة: الخطبة «١٠٩».