الأمامة - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ١١٤ - الحديث الثاني
وأن النبي (ص) ارتحل من الدار الفانية فلما سمعوا ذلك منه ووعوه طلبوا منه أن يُرسل إلى يثرب جماعة من أهل العلم والمعرفة من أتباعه ليتحققوا الحال ويصلوا إلى حقيقة الأمر، وليتعرفوا السبب الذي أوجب تقديم الأجانب على الأقارب على خلاف عادة الأنبياء السالفين، فطلب الملك الجاثليق وكان أكبر علماء أهل مملكته، وأمره بأن يختار من أصحابه الكاملين مائة نفر ويسير بهم إلى طيبة المنورة، ويأتيه بحقيقة الحال، وأمره أن يخاصم أصحاب محمد (ص) وأن يفلجهم لِما يعلم من مهارته في الفنون جميعها فأمتثل الجاثليق الأمر وسار مع من أنتخبه وأختاره حتى أناخ على المدينة عند شروق الشمس فلما عقل راحلته واستقر به وبأصحابه المكان نهض بمن معه حتى وافى المسجد والصحابة فيه مجتمعون فحيّاهم بتحيّته وسألهم عن وصيّ نبيهم وخليفته بعده، فأرشدوه إلى أبي بكر وكان في المسجد جمعاً من الصحابة كعمر وأبي عبيدة وخالد بن الوليد وعثمان وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فشخصت إليهم الأبصار ورمقتهم العيون لمّا رأوهم بهيئة حسنة وأخلاق مأنوسة للطبع مستحسنة، فوقف الجاثليق مقابل القوم وحيّاهم بتحيته فأجابوه، ثم قال بنهاية التأدب نحن قوم نفرنا من الروم إليكم، ونحن على دين المسيح بن مريم، ولما بلغنا خبر نبيكم أردنا الوفود إليه لنتعرف دينه فلم يساعد التوفيق والآن بلغنا خبر وفاته فسرْنا من مكاننا إليكم لتدلّونا على وصيّه بعده لنسأله في أمر الدين فإن قطعنا بقوله دخلنا في دينكم، وإن قطعناه وأفلجناه بقينا على ديننا، وسمعنا اختلافكم أيضاً فجئنا نطلب الحق ونقف على حقيقة الأمر فأيّكم صاحب الأمر بعد النبي (ص).