تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٥
بل المقصود أنّه في الآخرة! لكن لا مانع من أن يكون عدم السؤال في الدارين «الدنيا والأخرة».
أي لا يسألون حال نزول العذاب في الدنيا، لئلا يدافعوا عن أنفسهم ويبرئوا ساحتهم،ويظهروا الأعذار تلوا الأعذار. ولا يُسألون يوم القيامة ـ أيضاً ـ لأنّ يوم القيامة لا يبقى فيه شي خافياً، فكل شيء واضح، وكما يعبّر القرآن تعبيراً دقيقاً في هذا الصدد (
يُعرف المجرمون بسيماهم
).[١]وكذلك فإنّ الآية ـ محل البحث ـ (
ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون
)منسجمة تمام الإنسجام مع الآية من سورة الرحمن إذ تقول: (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنسٌ ولا جانٌ
).هنا ينقدح سؤال آخر، وهو كيف يسنجم هذا التعبير في القرآن مع قوله تعالى: (
فوربّك لنسألنّهم أجمعين
).[٢]ويمكن الإجابة على هذا السؤال عن طريقين:
الأوّل: إنّ المواقف في يوم القيامة متعددة، ففي بعضها يقع السؤال والجواب وفي بعض المواقف لا حاجة للسؤال، لأنّ الحجب مكشوفة، وكل شيء واضح هناك.
الثّاني: إنّ السؤال عادة نوعان.. «سؤال تحقيق» و «سؤال توبيخ» فليس في يوم القيامة سؤال للتحقيق، لأنّ كل شيء هناك مكشوف عياناً وواضح دون لبس. ولكن يوجد هناك سؤال توبيخ وهو بنفسه نوع من العذاب النفسي للمجرمين.
وينطبق هذا تماماً في ما لو سأل الأب ابنه غير المؤدب: ألم أقدم لك كل هذه الخدمات... أهذا جزاء ما قدمت؟! في حين أن كلا من الأب والابن يعرفان الحقيقة، وأن قصد الأب من سؤاله لإبنه هو التوبيخ لا غير!.
* * *
[١]ـ سورة الرحمن، الآية ٤١.
[٢]ـ سورة الحجر، الآية ٩٢.