موسوعة في ظلال شهداء الطف - الصمياني، حيدر - الصفحة ١٨٧ - ظاهرة رفض الاعذار الشرعية في أصحاب الحسين عليه السلام
ولم يعذر الفئة الثانية في موقفها، لأنّها تمثّل الموقف المعاند والجاحد المتمرّد، فأنذرهم بأنّهم سيصيبهم عذاب اليم؛ إذن نحن أمام أعذار مشروعة ومقبولة، وقد قبلها ربّ العالمين ولم يعلّق عليها شيئاً، بل الوعد الوعيد إنّما جاء لأولئك الذين لم يؤمنوا أصلاً بالله ورسوله.
بينما نجد في أصحاب الحسين من كان له عذر مقبول ومأذون له من قبل الإمام وبشكل مباشر وجهاً لوجه، ومع ذلك لم يرضَ لنفسه أن يأخذ بهذه الرخصة، ومن ثم تميّز على أصحاب الفئة الأولى فضلاً عن الآخرين.
ومن هنا نعرف معنى حديث الحسين(علیه السلام) عن أصحابه:
«ما رأيت أصحاباً أوفى وأبرّ من أصحابي»([٣٥٢]).
والذي منهم الشهيد بشر بن عمرو الحضرمي، الذي رفض عرض الخروج من كربلاء وقال للحسين: «عند الله أحتسبه ونفسي». وهي عبارة عظيمة تكشف عن الكثرة من المعاني العظيمة، وتنمّ في نفس الوقت عن وعي وبصيرة وفهم، حيث يريد أن يقول: اذا كان ولدي قد أسره الكافرون، فإنّي أعيش الآن كذلك الأسر، ولكن على يد ظالمي هذه الأمّة وغاصبيها، ومن ثم فكلانا يواجه مصيره، وعليه يجب أن نؤدّي تكليفنا الشرعي مهما كلّف الأمر، محتسبين صابرين على الأذى في جنب الله تعالى، ولهذا قال: «عند الله أحتسبه ونفسي».
وقد يقول قائل: ألست أباً؟ ألا تعيش في نفسك ما يعيشه الآباء من عاطفة تجاه أبنائهم؟ وكأنّي بالشهيد الكربلائي قد تنفّس الصعداء ووقعت دمعة من
[٣٥٢] أمالي الشيخ المفيد: ص٣١٩.