موسوعة في ظلال شهداء الطف - الصمياني، حيدر - الصفحة ١٨٢ - نقطة مضيئة
بالنسبة إلى الشهيد الكربلائي، حيث إنّ كلّ المؤشّرات تدلّل على أنّ طبول الحرب قد دقّت، وأنّها صارت قاب قوسين أو أدنى، والدليل على ذلك أنّ الحسين(علیه السلام) طلب تأجيل الحرب من يوم التاسع من المحرّم إلى يوم العاشر منه، وأن يُمهل تلك الليلة من أجل العبادة وقراءة القرآن والاستعداد للقاء الله تعالى. ومن هنا، ومن هذه النقطة بالذات، يستطيع الشهيد الكربلائي أن يغادر كربلاء بعذر مشروع، بعد أن تأكّد للجميع أنّه موطّن نفسه على الشهادة، حيث أنّ الشهيد قد بقي إلى جانب الحسين بعد إعلان الحرب وتأكُّدها، ومضى على ذلك وقت ليس بالقليل، فكان باستطاعته الخروج من كربلاء دون أن يشكّ أحد بأنّه جَبُن أو آثر الحياة الدنيا أو شيء من هذا القبيل.
وأنا على يقين بأنّ الحسين(علیه السلام) كان جادّاً في إعطائه هذا الإذن وتقديم هذه الرخصة له، وليس كما يقول بعضهم بأنّه كان يريد اختباره وبيان حقيقة ما يفكّر فيه وينوي فعله، لأنّ قول الإمام حجّة تبيح له عذراً شرعياً ـ وهو الأهمّ ـ يجيز له الخروج من كربلاء، ولكنّه أبى إلاّ ترك هذه الرخصة وهذا الإذن، وأبى إلاّ الجهاد والشهادة بين يدي أبي عبد الله الحسين، وكأنّي بلسان حاله يقول: اذا كان لي أن أخرج من كربلاء برخصة شرعية وبدون ملامة عرفية، فإنّي سأخسر خيراً لا يقاس به كلّ خير، ولا يمكن أن أحصل عليه بعد اليوم مهما عشت؛ سأخسر شهادة دعا رسول الله’ قبل أكثر من ٦٠ سنة إلى الاستعداد لها، ومن ثم فإنّي وفق هذه المقاييس ينبغي أن أقدّم كلّ هذه الامتيازات التي سوف أحصل عليها على هذا الإذن وهذه الرخصة.