المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ٨٧ - باب صلح الملوك والموادعة
مالو كان موجودا في الابتداء منعه ذلك من الموادعة فإذا ظهر ذلك في الانتهاء منع ذلك من استدامة الموادعة وهذا لان نقض الموادعة بالنبذ جائز قال صلى الله عليه وسلم يعقد عليهم أولاهم ويرد عليهم أقصاهم ولكن ينبغى أن ينبذ إليهم على سواء قال تعالى وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء أي على سواء منكم ومنهم في العلم بذلك فعرفنا أنه لا يحل قتالهم قبل النبذ وقبل أن يعلموا بذلك ليعودوا إلى ما كانوا عليه من التحصن وكان ذلك للتحرز عن الغدر فان حاصر العدو المسلمين وطلبوا الموادعة على أن يؤدي إليهم المسلمون شيئا معلوما كل سنة فلا ينبغي للامام أن يجيبهم إلى ذلك لما فيه من الدينة والذلة بالمسلمين الا عند الضرورة وهو ان يخاف المسلمون الهلاك على أنفسهم ويرى الامام أن هذا الصلح خير لهم فحينئذ لا بأس بأن يفعله لما روى ان المشركين احاطوا بالخندق وصار المسلمون كما قال الله تعالى هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا بعث رسول الله صلىالله عليه وسلم إلى عبيدة بن حصن وطلب منه ان يرجع بمن معه على ان يطعيه كل سنة ثلث ثمار المدينة فابى الا النصف فلما حضر رسله ليكتبوا الصلح بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم قام سيد الانصار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضى الله عنهما وقالا يارسول الله ان كان هذا عن وحى فامض لما أمرت به وان كان رأيا رأيته فقد كنا نحن وهم في الجاهلية لم يكن لنا ولا لهم دين فكانوا لا يطمعون في ثمار المدينة الا بشراء أو قرى فإذا أعزنا الله بالدين وبعث فينا رسوله نعطيهم الدينة لا نعطيهم الا السيف فقال صلى الله عليه وسلم انى رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة فاحببت ان أصرفهم عنكم فإذا أبيتم ذلك فانتم واولئك اذهبوا فلا نعطيكم الا السيف فقد مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلح في الابتداء لما أحس الضعف بالمسلمين فحين رأى القوة فيهم بما قاله السعدان رضى الله عنهما امتنع من ذلك وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطى المؤلفة قلوبهم من الصدقة لدفع ضررهم عن المسلمين فدل على انه لا بأس بذلك عند خوف الضرر وهذا لانهم ان ظهروا على المسلمين أخذوا جميع الاموال وسبوا الذرارى فدفع بعض المال ليسلم المسلمون في ذراريهم وسائر أموالهم أهون وأنفع وان أراد قوم من أهل الحرب من المسلمين الموادعة سنين معلومة على ان يؤدى أهل الحرب الخراج إليهم كل سنة شيئا معلوما على ان لا تجرى أحكام الاسلام عليهم في بلادهم لم يفعل ذلك الا ان يكون في ذلك