إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٨ - القسم الأول السفر في طلب العلم
و بالجملة فإن النفس في الوطن مع مواتاة الأسباب لا تظهر خبائث أخلاقها لاستئناسها بما يوافق طبعها من المألوفات المعهودة،فإذا حملت و عثاء السفر،و صرفت عن مألوفاتها المعتادة،و امتحنت بمشاق الغربة،انكشفت غوائلها،و وقع الوقوف على عيوبها فيمكن الاشتغال بعلاجها و قد ذكرنا في كتاب العزلة فوائد المخالطة،و السفر مخالطة،مع زيادة اشتغال و احتمال مشاق و أما آيات اللّه في أرضه،ففي مشاهدتها فوائد للمستبصر،ففيها قطع متجاورات و فيها الجبال،و البراري،و البحار،و أنواع الحيوان،و النبات،و ما من شيء منها إلا و هو شاهد للّٰه بالوحدانية،و مسبح له بلسان ذلق لا يدركه إلا من ألقى السمع و هو شهيد،و أما الجاحدون و الغافلون و المغترون بلا مع السراب من زهرة الدنيا،فإنهم لا يبصرون،و لا يسمعون لانهم عن السمع معزولون،و عن آيات ربهم محجوبون يَعْلَمُونَ ظٰاهِراً مِنَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غٰافِلُونَ [١]و ما أريد بالسمع السمع الظاهر،فإن الذين أريدوا به ما كانوا معزولين عنه،و إنما أريد به السمع الباطن،و لا يدرك بالسمع الظاهر إلا الأصوات و يشارك الإنسان فيه سائر الحيوانات،فأما السمع الباطن فيدرك به لسان الحال الذي هو نطق وراء نطق المقال،يشبه قول القائل حكاية لكلام الوتد و الحائط،قال الجدار للوتد:
لم تشقني؟فقال:سل من يدقني،و لم يتركني ورائي الحجر ورائي،و ما من ذرة في السموات و الأرض إلا و لها أنواع شاهدات للّٰه تعالى بالوحدانية هي توحيدها، و أنواع شاهدات لصانعها بالتقدس،هي تسبيحها،و لكن لا يفقهون تسبيحها،لأنهم لم يسافروا من مضيق سمع الظاهر إلى فضاء سمع الباطن،و من ركاكة لسان المقال،إلى فصاحة لسان الحال،و لو قدر كل عاجز على مثل هذا السير،لما كان سليمان عليه السلام مختصا بفهم منطق الطير،و لما كان موسى عليه السلام مختصا بسماع كلام اللّه تعالى الذي يجب تقديسه عن مشابهة الحروف و الأصوات، و من يسافر ليستقرئ هذه الشهادات من الأسطر المكتوبة،بالخطوط الإلهية على صفحات الجمادات،لم يطل سفره بالبدن،بل يستقر في موضع،و يفرغ قلبه للتمتع
[١] الروم: