إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٧ - القسم الأول السفر في طلب العلم
القسم الأول:السفر في طلب العلم
،و هو إما واجب،و إما نفل،و ذلك بحسب كون العلم واجبا أو نفلا،و ذلك العلم إما علم بأمور دينا،أو بأخلاقه في نفسه،أو بآيات اللّه في أرضه،و قد قال عليه السلام[١]«من خرج من بيته في طلب العلم فهو في سبيل اللّه حتّى يرجع»و في خبر آخر[٢]«من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل اللّه له طريقا إلى الجنّة» و كان سعيد بن المسيب يسافر الأيام في طلب الحديث الواحد،و قال الشعبي:لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في كلمة تدله على هدى،أو ترده عن ردى،ما كان سفره ضائعا،[٣] و رجل جابر بن عبد اللّه من المدينة إلى مصر مع عشرة من الصحابة،فساروا شهرا في حديث بلغهم عن عبد اللّه بن أنيس الأنصاري، يحدث به عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم حتى سمعوه و كل مذكور في العلم محصل له من زمان الصحابة إلى زماننا هذا لم يحصل العلم إلا بالسفر و سافر لأجله و أما علمه بنفسه و أخلاقه فذلك أيضا مهم،فإن طريق الآخرة لا يمكن سلوكها إلا بتحسين الخلق و تهذيبه،و من لا يطلع على أسرار باطنه،و خبائث صفاته،لا يقدر على تطهير القلب منها،و إنما السفر هو الذي يسفر عن أخلاق الرجال،و به يخرج اللّه الخبء في السموات و الأرض، و إنما سمى السفر سفرا لأنه يسفر عن الأخلاق،و لذلك قال عمر رضي اللّه عنه للذي زكى عنده بعض الشهود هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم أخلاقه فقال:لا،فقال:ما أراك تعرفه،و كان بشر يقول:يا معشر القراء سيحوا تطيبوا فإن الماء إذا ساح طاب:و إذا طال مقامه في موضع تغير