إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٥ - الفائدة الخامسة
و لذلك قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«إنّ اللّه لا يملّ حتّى تملّوا» و هذا أمر لا يستغنى عنه.فإن النفس لا تألف الحق على الدوام ما لم تروح. و في تكليفها الملازمة داعية للفترة. و هذا عنى بقوله عليه السلام «إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق»و الإيغال فيه برفق دأب المستبصرين. و لذلك قال ابن عباس:لو لا مخافة الوسواس لم أجالس الناس.و قال مرة:لدخلت بلاد الا أنيس بها.و هل يفسد الناس إلا الناس؟فلا يستغنى المعتزل إذا عن رفيق،يستأنس بمشاهدته و محادثته في اليوم و الليلة ساعة.فليجتهد في طلب من لا يفسد عليه في ساعته تلك سائر ساعاته.فقد قال صلّى اللّه عليه و سلم[٢]«المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» و ليحرص أن يكون حديثه عند اللقاء في أمور الدين،و حكاية أحوال القلب،و شكواه و قصوره عن الثبات على الحق،و الاهتداء إلى الرّشد.ففي ذلك متنفس و متروح للنفس.
و فيه مجال رحب لكل مشغول بإصلاح نفسه.فإنه لا تنقطع شكواه و لو عمر أعمارا صويلة و الراضي عن نفسه مغرور قطعا.فهذا النوع من الاستئناس في بعض أوقات النهار،ربما يكون أفضل من العزلة في حق بعض الأشخاص.فليتفقد فيه أحوال القلب،و أحوال الجليس أولا،ثم ليجالس
الفائدة الخامسة
في نيل الثواب و إنالته
أما النيل،فبحضور الجنائز،و عيادة المرضى،و حضور العيدين.و أما حضور الجمعة فلا بد منه.و حضور الجماعة في سائر الصلوات أيضا لا رخصة في تركه،إلا لخوف ضرر ظاهر،يقاوم ما يفوت من فضيلة الجماعة و يزيد عليه.و ذلك لا يتفق إلا نادرا.و كذلك في حضور الإملاكات و الدعوات ثواب،من حيث إنه إدخال سرور على قلب مسلم و أما إنالته،فهو أن يفتح الباب لتعوده الناس،أو ليعزوه في المصائب،أو يهنئوه على النعم.فإنهم ينالون بذلك ثوابا.و كذلك إذا كان من العلماء،و أذن لهم في الزيارة،نالوا ثواب الزيارة،و كان هو بالتمكين سببا فيه