إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٥ - الفائدة الأولى
و قال ذو النون المصري: سرور المؤمن و لذته في الخلوة بمناجاة ربه.و قال مالك بن دينار من لم يأنس بمحادثة اللّه عز و جل عن محادثة المخلوقين،فقد قل علمه،و عمي قلبه،و ضيع عمره.و قال ابن المبارك.ما أحسن حال من انقطع إلى اللّه تعالى و يروى عن بعض الصالحين أنه قال:بينما أنا أسير في بعض بلاد الشام،إذا أنا بعابد خارج من بعض تلك الجبال.فلما نظر إلىّ،تنحى إلى أصل شجرة،و تستر بها.فقلت سبحان اللّه،تبخل علي بالنظر إليك!فقال يا هذا،إنى أقمت في هذا الجبل دهرا طويلا أعالج قلبي في الصبر عن الدنيا و أهلها،فطال في ذلك تعبي،و فنى فيه عمري،فسألت اللّه تعالى أن لا يجعل حظى من أيامى في مجاهدة قلبي.فسكنه اللّه عن الاضطراب،و ألفه الوحدة و الانفراد.فلما نظرت إليك،خفت أن أقع في الأمر الأول،فإليك عنى،فإنى أعوذ من شرك برب العارفين،و حبيب القانتين.ثم صاح وا غمّاه من طول المكث في الدنيا ثم حول وجهه عنى،ثم نفض يديه و قال:إليك عنى يا دنيا،لغيري فتزينى،و أهلك فغرى.
ثم قال:سبحان من أذاق قلوب العارفين من لذة الخدمة،و حلاوة الانقطاع إليه،ما ألهى قلوبهم عن ذكر الجنان،و عن الحور الحسان،و جمع همهم في ذكره،فلا شيء ألذ عندهم من مناجاته.ثم مضى و هو يقول:قدوس قدوس فإذا في الخلوة أنس بذكر اللّه،و استكثار من معرفة اللّه،و في مثل ذلك قيل
و إنى لأستغشي و ما بي غشوة لعل خيالا منك يلقى خياليا
و أخرج من بين الجلوس لعلنى أحدث عنك النفس بالسر خاليا
و لذلك قال بعض الحكماء:إنما يستوحش الإنسان من نفسه،لخلو ذاته عن الفضيلة فيكثر حينئذ ملاقاة الناس،و يطرد الوحشة عن نفسه بالكون معهم.فإذا كانت ذاته فاضلة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة،و يستخرج العلم و الحكمة،و قد قيل:الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس فإذا هذه فائدة جزيلة،و لكن في حق بعض الخواص.و من يتيسر له بدوام الذكر الأنس باللّه أو بدوام الفكر التحقق في معرفة اللّه،فالتجرد له أفضل من كل ما يتعلق بالمخالطة،فإن غاية العبادات و ثمرة المعاملات،أن يموت الإنسان محبا للّٰه،عارفا باللّه،و لا محبة إلا بالأنس الحاصل بدوام الذكر و لا معرفة إلا بدوام الفكر.و فراغ القلب شرط في كل واحد منهما،و لا فراغ مع المخالطة