إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٩
و كذلك سائر أنواع المساعدات إذا قصد بها تطييب القلب و اصطلح عليها جماعة فلا بأس بمساعدتهم عليها،بل الأحسن المساعدة إلا فيما ورد فيه نهي لا يقبل التأويل،و من الأدب أن لا يقوم للرقص مع القوم إن كان يستثقل رقصه،و لا يشوش عليهم أحوالهم،إذ الرقص من غير إظهار التواجد مباح.و المتواجد هو الذي يلوح للجمع منه أثر التكلف، و من يقوم عن صدق لا تستثقله الطباع،فقلوب الحاضرين إذا كانوا من أرباب القلوب محك للصدق و التكلف،سئل بعضهم عن الوجد الصحيح،فقال،صحته قبول قلوب الحاضرين له إذا كانوا أشكالا غير أضداد فإن قلت:فما بال الطباع تنفر عن الرقص،و يسبق إلى الأوهام أنه باطل و لهو و مخالف للدين،فلا يراه ذو جد في الدين إلا و ينكره فاعلم:أن الجد لا يزيد على جد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم،و قد رأى الحبشة يزفنون في المسجد و ما أنكره،لما كان في وقت لائق به و هو العيد و من شخص لائق به و هم الحبشة،نعم:نفرة الطباع عنه لأنه يرى غالبا مقرونا باللهو و اللعب،و اللهو و اللعب مباح،و لكن للعوام من الزنوج و الحبشة و من أشبههم،و هو مكروه لذوي المناصب لأنه لا يليق بهم،و ما كره لكونه غير لائق بمنصب ذي المنصب،فلا يجوز أن يوصف بالتحريم،فمن سأل فقيرا شيئا فأعطاه رغيفا كان ذلك طاعة مستحسنة،و لو سأل ملكا فأعطاه رغيفا أو رغيفين لكان ذلك منكرا عند الناس كافة و مكتوبا في تواريخ الأخبار من جملة مساويه، و يعير به أعقابه و أشياعه و مع هذا فلا يجوز أن يقال ما فعله حرام،لأنه من حيث إنه أعطى خبزا للفقير حسن،و من حيث إنه بالإضافة إلى منصبه كالمنع بالإضافة إلى الفقير مستقبح،فكذلك الرقص و ما يجري مجراه من المباحات،و مباحات العوام سيئات الأبرار،و حسنات الأبرار سيئات المقربين و لكن هذا من حيث الالتفات إلى المناصب و أما إذا نظر إليه في نفسه وجب الحكم بأنه هو في نفسه لا تحريم فيه و اللّه أعلم فقد خرج من جملة التفصيل السابق:أن السماع قد يكون حراما محضا،و قد يكون مباحا،و قد يكون مكروها، و قد يكون مستحبا،أما الحرام.فهو لأكثر الناس من الشبان،و من غلبت عليهم شهوة الدنيا،فلا يحرك السماع منهم إلا ما هو الغالب على قلوبهم من الصفات المذمومة و أما المكروه:فهو لمن لا ينزله على صورة المخلوقين،و لكنه يتخذه عادة له في أكثر الأوقات على سبيل اللهو و أما المباح فهو لمن لاحظ له منه إلا التلذذ بالصوت الحسن،و أما المستحب فهو لمن غلب عليه حب اللّه تعالى و لم يحرك السماع منه إلا الصفات المحمودة و الحمد للّٰه وحده و صلى اللّه على محمد و آله