إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٨
الثياب،قد يكون كذلك فهذا لا يوصف بالتحريم،فقد ذكر عند السري حديث الوجد الحادّ الغالب،فقال نعم يضرب وجهه بالسيف و هو لا يدرى،فروجع فيه،و استبعد أن ينتهى إلى هذا الحد فأصر عليه و لم يرجع،و معناه أنه في بعض الأحوال قد ينتهى إلى هذا الحد في بعض الأشخاص فإن قلت:فما تقول في تمزيق الصوفية الثياب الجديدة بعد سكون الوجد و الفراغ من السماع،فإنهم يمزقونها قطعا صغارا و يفرقونها على القوم، و يسمونها الخرقة فاعلم أن ذلك مباح إذا قطع قطعا مربعة تصلح لترقيع الثياب و السجادات،فإن الكرباس يمزق حتى يخلط منه القميص،و لا يكون ذلك تضييعا لأنه تمزيق لغرض،و كذلك ترقيع الثياب لا يمكن إلا بالقطع الصغار،و ذلك مقصود،و التفرقة على الجميع ليعم ذلك الخير مقصود مباح،و لكل مالك أن يقطع كرباسه مائة قطعة،و يعطيها لمائة مسكين،و لكن ينبغي أن تكون القطع بحيث يمكن أن ينتفع بها في الرقاع،و إنما منعنا في السماع التمزيق المفسد للثوب الذي يهلك بعضه،بحيث لا يبقى منتفعا به فهو تضييع محض لا يجوز بالاختيار
الأدب الخامس:موافقة القوم في القيام
إذا قام واحد منهم في وجد صادق من غير رياء و تكلف، أو قام باختيار من غير إظهار وجد و قامت له الجماعة.فلا بد من الموافقة فذلك من آداب الصحبة،و كذلك إن جرت عادة طائفة بتنحيه العمامة على موافقة صاحب الوجد إذا سقطت عمامته،أو خلع الثياب إذا سقط عنه ثوبه بالتمزيق،فالموافقة في هذه الأمور من حسن الصحبة و العشرة،إذ المخالفة موحشة و لكل قوم رسم،و لا بد من[١]مخالفة الناس بأخلاقهم،كما ورد في الخبر،لا سيما إذا كانت أخلاقا فيها حسن العشرة و المجاملة و تطييب القلب بالمساعدة، و قول القائل إن ذلك بدعة لم يكن في الصحابة فليس كل ما يحكم بإباحته منقولا عن الصحابة رضي اللّه عنهم،و إنما المحذور ارتكاب بدعة تراغم سنة مأثورة،و لم ينقل النهي عن شيء من هذا،و القيام عند الدخول للداخل لم يكن من عادة العرب بل كان الصحابة رضي اللّه عنهم لا يقومون لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[٢]في بعض الأحوال كما رواه أنس رضي اللّه عنه،و لكن إذا لم يثبت فيه نهي عام فلا نرى به بأسا في البلاد التي جرت العادة فيها بإكرام الداخل بالقيام،فإن المقصود منه الاحترام و الإكرام، و تطييب القلب به