إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٤ - بيان
الدنيا،ثم تحتج بعبد الرحمن،و تزعم أنك إن جمعت المال فقد جمعه الصحابة،كأنك أشبهت السلف و فعلهم.ويحك،إن هذا من قياس إبليس،و من فتياه لأوليائه و سأصف لك أحوالك و أحوال السلف،لتعرف فضائحك،و فضل الصحابة و لعمري لقد كان لبعض الصحابة أموال،أرادوها للتعفف،و البذل في سبيل اللّه، فكسبوا حلالا،و أكلوا طيبا،و أنفقوا قصدا،و قدموا فضلا،و لم يمنعوا منها حقا، و لم يبخلوا بها،لكنهم جادوا اللّه بأكثرها،و جاد بعضهم بجميعها،و في الشدة آثروا اللّه على أنفسهم كثيرا.فباللّه أ كذلك أنت؟و اللّه إنك لبعيد الشبه بالقوم.و بعد فإن أخيار الصحابة كانوا للمسكنة محبين،و من خوف الفقر آمنين،و باللّه في أرزاقهم واثقين، و بمقادير اللّه مسرورين،و في البلاء راضين،و في الرخاء شاكرين،و في الضراء صابرين، و في السراء حامدين.و كانوا للّٰه متواضعين،و عن حب العلوّ و التكاثر و رعين،لم ينالوا من الدنيا إلا المباح لهم،و رضوا بالبلغة منها،و زجوا الدنيا،و صبروا على مكارهها،و تجرعوا مرارتها،و زهدوا في نعيمها و زهراتها.فباللّه أ كذلك أنت ،و لقد بلغنا أنهم كانوا إذا أقبلت الدنيا عليهم حزنوا،و قالوا ذنب عجلت عقوبته من اللّه،و إذا رأوا الفقر مقبلا قالوا مرحبا بشعار الصالحين .و بلغنا أن بعضهم كان إذا أصبح و عند عياله شيء، أصبح كئيبا حزينا.و إذا لم يكن عندهم شيء،أصبح فرحا مسرورا.فقيل له إن الناس إذا لم يكن عندهم شيء حزنوا،و إذا كان عندهم شيء فرحوا،و أنت لست كذلك.قال إنى إذا أصبحت و ليس عند عيالى شيء فرحت،إذ كان لي برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أسوة.
و إذا كان عند عيالى شيء،اغتممت،إذ لم يكن لي بآل محمد أسوة.و بلغنا أنهم كانوا إذا سلك بهم سبيل الرخاء حزنوا و أشفقوا،و قالوا ما لنا و للدنيا و ما يراد بها فكأنهم على جناح خوف.و إذا سلك بهم سبيل البلاء فرحوا و استبشروا،و قالوا الآن تعاهدنا ربنا فهذه أحوال السلف و نعتهم،و فيهم من الفضل أكثر مما وصفنا.فباللّه أ كذلك أنت ؟إنك لبعيد الشبه بالقوم،و سأصف لك أحوالك أيها المفتون ضدا لأحوالهم و ذلك أنك تطغى عند الغنى،و تبطر عند الرخاء،و تمرح عند السراء،و تغفل عن شكر ذي النعماء،و تقنط عند الضراء،و تسخط عند البلاء،و لا ترضى بالقضاء.