إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢١ - فإن قلت فالرياء حرام أو مكروه أو مباح أو فيه تفصيل
فعلى هذا نقول.تحسين الثوب الذي يلبسه الإنسان عند الخروج إلى الناس مراءاة.
و هو ليس بحرام،لأنه ليس رياء بالعبادة،بل بالدنيا.و قس على هذا كل تجمل للناس و تزين لهم.و الدليل عليه ما روى عن عائشة رضي اللّه عنها،أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم [١]أراد أن يخرج يوما إلى الصحابة،فكان ينظر في حب الماء ،و يسوى عمامته و شعره.
فقالت أو تفعل ذلك يا رسول اللّه؟قال«نعم إنّ اللّه تعالى يحبّ من العبد أن يتزين لإخوانه إذا خرج إليهم»نعم:هذا كان من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عبادة،لأنه كان مأمورا بدعوة الخلق، و ترغيبهم في الاتباع،و استمالة قلوبهم.و لو سقط من أعينهم لم يرغبوا في اتباعه فكان يجب عليه أن يظهر لهم محاسن أحواله،لئلا تزدريه أعينهم.فإن أعين عوام الخلق تمتد إلى الظواهر دون السرائر.
فكان ذلك قصد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.و لكن لو قصد قاصد به أن يحسن نفسه في أعينهم، حذرا من ذمهم و لومهم،و استرواحا إلى توقيرهم و احترامهم،كان قد قصد أمرا مباحا.إذ للإنسان أن يحترز من ألم المذمة،و يطلب راحة الأنس بالإخوان.و مهما استثقلوه و استقذروه لم يأنس بهم فإذا المرآة بما ليس من العبادات قد تكون مباحة،و قد تكون طاعة،و قد تكون مذمومة.و ذلك بحسب الغرض المطلوب بها.و لذلك نقول:الرجل إذا أنفق ماله على جماعة من الأغنياء،لا في معرض العبادة و الصدقة،و لكن ليعتقد الناس أنه سخي، فهذا مراءاة،و ليس بحرام.و كذلك أمثاله.أما العبادات،كالصدقة،و الصلاة،و الصيام و الغزو،و الحج،فللمرائى فيه حالتان:إحداهما أن لا يكون له قصد إلا الرياء المحض دون الأجر،و هذا يبطل عبادته،لأن الأعمال بالنيات .و هذا ليس يقصد العبادة.ثم لا يقتصر على إحباط عبادته،حتى نقول صار كما كان قبل العبادة،بل يعصى بذلك و يأثم،كما دلت عليه الأخبار و الآيات.و المعنى فيه أمران:
أحدهما:يتعلق بالعباد و هو التلبيس و المكر،لأنه خيل إليهم أنه مخلص مطيع للّٰه،و أنه أهل الدين و ليس كذلك.و التلبيس في أمر الدنيا حرام أيضا،حتى لو قضى دين جماعة،و خيل إليهم؟؟؟ أنه متبرع عليهم ليعتقدوا سخاوته أثم به،لما فيه من التلبيس و تملك القلوب بالخداع و المكر