إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٦ - بيان
من مصيبتك في انتقاص دنياك.نعم:و خوفك من ذهاب مالك،أكثر من خوفك من الذنوب و عساك تبذل للناس ما جمعت من الأوساخ كلها،للعلو،و الرفعة في الدنيا.و عساك ترضى المخلوقين،مساخطا للّٰه تعالى،كيما تكرم و تعظم. ويحك،فكأن احتقار اللّه تعالى لك في القيامة،أهون عليك من احتقار الناس إياك.و عساك تخفى من المخلوقين مساويك، و لا تكترث باطلاع اللّه عليك فيها،فكأن الفضيحة عند اللّه،أهون عليك من الفضيحة عند الناس،فكأن العبيد أعلى عندك قدرا من اللّه تعالى.اللّه عن جهلك.فكيف تنطق عند ذوى الألباب،و هذه المثالب فيك!أف لك،متلوثا بالأقذار،و تحتج بمال الأبرار!هيهات هيهات،ما أبعدك عن السلف الأخيار!و اللّه لقد بلغني أنهم كانوا فيما أحل لهم،أزهد منكم فيما حرم عليكم .إن الذي لا بأس به عندكم،كان من الموبقات عندهم،و كانوا للزلة الصغيرة أشد استعظاما منكم لكبائر المعاصي.فليت أطيب مالك و أحله،مثل شبهات أموالهم وليتك أشفقت من سيئاتك،كما أشفقوا على حسناتهم أن لا تقبل.ليت صومك على مثال إفطارهم.و ليت اجتهادك في العبادة على مثل فتورهم و نومهم.و ليت جميع حسناتك مثل واحدة من سيئاتهم.و قد بلغني عن بعض الصحابة أنه قال،غنيمة الصديقين ما فاتهم من الدنيا،و نهمتهم ما زوي عنهم منها.فمن لم يكن كذلك،فليس معهم في الدنيا،و لا معهم في الآخرة.فسبحان اللّه،كم بين الفريقين من التفاوت!فريق خيار الصحابة في العلو عند اللّه،و فريق أمثالكم في السفالة،أو يعفو اللّه الكريم بفضله.و بعد،فإنك إن زعمت أنك متأس بالصحابة بجمع المال،للتعفف و البذل في سبيل اللّه،فتدبر أمرك.ويحك هل تجد من الحلال في دهرك كما وجدوا في دهرهم؟أو تحسب أنك محتاط في طلب الحلال كما احتاطوا؟لقد بلغني أن بعض الصحابة قال،كنا ندع سبعين بابا من الحلال،مخافة أن نقع في باب من الحرام.أ فتطمع من نفسك في مثل هذا الاحتياط؟لا و رب الكعبة، ما أحسبك كذلك.ويحك،كن على يقين أن جمع المال لأعمال البر مكر من الشيطان ليوقعك بسبب البر في اكتساب الشبهات،الممزوجة بالسحت و الحرام.و قد بلغنا أن