إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٣ - بيان
حتى يمدحوه،و يعظموه،و يقوموا بقضاء حوائجه،و يقابلوه بالإكرام في مصادره و موارده،فهذا مكروه و اللّه تعالى أعلم.
بيان
ما يحبط العمل من الرياء الخفي و الجلي و ما لا يحبط
فنقول فيه:إذا عقد العبد العبادة على الإخلاص،ثم ورد عليه وارد الرياء،فلا يخلو إما أن يرد عليه بعد فراغه من العمل،أو قبل الفراغ.فإن ورد بعد الفراغ سرور مجرد بالظهور من غير إظهار،فهذا لا يفسد العمل.إذ العمل قد تم على نعت الإخلاص،سالما عن الرياء،فما يطرأ بعده فنرجو أن لا ينعطف عليه أثره،لا سيما إذا لم يتكلف هو إظهاره و التحدث به،و لم يتمن إظهاره و ذكره،و لكن اتفق ظهوره بإظهار اللّه،و لم يكن منه إلا ما دخل من السرور و الارتياح على قلبه .نعم:لو تم العمل على الإخلاص من غير عقد رياء،و لكن ظهرت له بعده رغبة في الإظهار،فتحدث به و أظهره،فهذا مخوف.
و في الآثار و الأخبار :ما يدل على أنه يحبط فقد روى عن ابن مسعود أنه سمع رجلا يقول:قرأت البارحة البقرة،فقال ذلك حظه منها.و روى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]،أنه قال لرجل قال له صمت الدهر يا رسول اللّه فقال له«ما صمت و لا أفطرت»فقال بعضهم إنما قال ذلك لأنه أظهره،و قيل هو إشارة إلى كراهة صوم الدهر.و كيفما كان فيحتمل أن يكون ذلك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم،و من ابن مسعود،استدلالا على أن قلبه عند العبادة لم يخل عن عقد الرياء و قصده له،لما أن ظهر منه التحدث به.إذ يبعد أن يكون ما يطرأ بعد العمل مبطلا لثواب العمل.بل الأقيس أن يقال إنه مثاب على عمله الذي مضى،و معاقب على مراءاته بطاعة اللّه بعد الفراغ منها.بخلاف ما لو تغير عقده إلى الرياء