إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٨ - و أما السبب الثاني و هو الأقوى أن الروح أمر ربانى
و مع اليأس من ذلك فإنه يلتذ به غاية الالتذاذ،و حب ذلك ثابت في الطبع و يكاد يظن أن ذلك جهل،فإنه حب لما لا فائدة فيه لا في الدنيا و لا في الآخرة.
فنقول:نعم هذا الحب لا تنفك عنه القلوب،و له سببان:
أحدهما جلى تدركه الكافة،و الآخر خفى، و هو أعظم السببين،و لكنه أدقهما و أخفاهما،و أبعدهما عن أفهام الأذكياء فضلا عن الأغبياء،و ذلك لاستمداده من عرق خفي في النفس،و طبيعة مستكنة في الطبع،لا يكاد يقف عليها إلا الغواصون
فأما السبب الأول:فهو دفع ألم الخوف
،لأن الشفيق بسوء الظن مولع،و الإنسان و إن كان مكفيا في الحال،فإنه طويل الأمل،و يخطر بباله أن المال الذي فيه كفايته ربما يتلف،فيحتاج إلى غيره.فإذا خطر ذلك بباله،هاج الخوف من قلبه.و لا يدفع ألم الخوف إلا الأمن الحاصل بوجود مال آخر،يفزع إليه إن أصابت هذا المال جائحة.فهو أبدا لشفقته على نفسه و حبه للحياة،يقدر طول الحياة،و يقدر هجوم الحاجات،و يقدر إمكان تطرق الآفات إلى الأموال،و يستشعر الخوف من ذلك،فيطلب ما يدفع خوفه،و هو كثرة المال،حتى إن أصيب بطائفة من ماله استغنى بالآخر و هذا خوف لا يوقف له على مقدار مخصوص من المال،فلذلك لم يكن لمثله موقف إلى أن يملك جميع ما في الدنيا.و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]«منهومان لا يشبعان منهوم العلم و منهوم المال »و مثل هذه العلة تطرد في حبه قيام المنزلة و الجاه في قلوب الأباعد عن وطنه و بلده.فإنه لا يخلو عن تقدير سبب يزعجه عن الوطن،أو يزعج أولئك عن أوطانهم إلى وطنه،و يحتاج إلى الاستعانة بهم و مهما كان ذلك ممكنا،و لم يكن احتياجه إليهم مستحيلا إحالة ظاهرة،كان للنفس فرح و لذة بقيام الجاه في قلوبهم،لما فيه من الأمن من هذا الخوف.
و أما السبب الثاني:و هو الأقوى:أن الروح أمر ربانى
،به وصف اللّه تعالى.إذ قال سبحانه وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [١]و معنى كونه ربانيا أنه من أسرار علوم المكاشفة،و لا رخصة في إظهاره،[٢]إذ لم يظهره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم
[١] الاسراء:٨٥