إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٩ - و أما السبب الثاني و هو الأقوى أن الروح أمر ربانى
و لكنك قبل معرفة ذلك،نعلم أن للقلب ميلا إلى صفات بهيمية،كالأكل و الوقاع ، و إلى صفات سبعية،كالقتل و الضرب و الإيذاء ،و إلى صفات شيطانية،كالمكر و الخديعة و الإغواء،و إلى صفات ربوبية.كالكبر و العز و التجبر و طلب الاستعلاء.و ذلك لأنه مركب من أصول مختلفة يطول شرحها و تفصيلها،فهو لما فيه من الأمر الرباني يحب الربوبية بالطبع،و معنى الربوبية التوحد بالكمال،و التفرد بالوجود على سبيل الاستقلال.
فصار الكمال من صفات الإلهية،فصار محبوبا بالطبع للإنسان.و الكمال بالتفرد بالوجود فإن المشاركة في الوجود نقص لا محالة.فكمال الشمس في أنها موجودة وحدها،فلو كان معها شمس أخرى لكان ذلك نقصا في حقها،إذ لم تكن منفردة بكمال معنى الشمسية.
و المنفرد بالوجود هو اللّه تعالى،إذ ليس معه موجود سواه،فإن ما سواه أثر من آثار قدرته لا قوام له بذاته،بل هو قائم به.فلم يكن موجودا معه،لأن المعية توجب المساواة في الرتبة و المساواة في الرتبة نقصان في الكمال.بل الكامل من لا نظير له في رتبته.و كما أن إشراق نور الشمس في أقطار الآفاق ليس نقصانا في الشمس،بل هو من جملة كمالها،و إنما نقصان الشمس بوجود شمس أخرى تساويها في الرتبة،مع الاستغناء عنها،فكذلك وجود كل ما في العالم يرجع إلى إشراق أنوار القدرة ،فيكون تابعا و لا يكون متبعا.فإذا معنى الربوبية التفرد بالوجود،و هو الكمال.و كل إنسان فإنه بطبعه محب لأن يكون هو المنفرد بالكمال و لذلك قال بعض مشايخ الصوفية:ما من إنسان إلا و في باطنه ما صرح به فرعون من قوله أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلىٰ [١]و لكنه ليس يجد له مجالا .و هو كما قال.فإن العبودية قهر على النفس،و الربوبية محبوبة بالطبع.و ذلك للنسبة الربانية التي أومأ إليها قوله تعالى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [٢]و لكن لما عجزت النفس عن درك منتهى الكمال،لم تسقط شهوتها للكمال،فهي محبة للكمال،و مشتهية له،و ملتذة به لذاته لا لمعنى آخر و راء الكمال،و كل موجود فهو محب لذاته،و لكمال ذاته،و مبغض الهلاك الذي هو عدم ذاته،أو عدم صفات الكمال من ذاته.و إنما الكمال بعد أن يسلم التفرد بالوجود،في الاستيلاء على كل الموجودات.فإن أكمل الكمال أن يكون وجود غيرك منك،فإن لم يكن منك
[١] النازعات:٣٢.
[٢] الاسراء:٨٥.