إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٣ - المقام الثاني في دفع العارض منه في أثناء العبادة
و تدفع نور المعرفة مثل مرارة الغضب.و إليه أشار جابر بقوله.[١]بايعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم تحت الشجرة على أن لا نفر،و لم نبايعه على الموت،فأنسيناها يوم حنين حتى نودي يا أصحاب الشجرة،فرجعوا.و ذلك لأن القلوب امتلأت بالخوف،فنسيت العهد السابق،حتى ذكروا ،و أكثر الشهوات التي تهجم فجأة هكذا تكون،إذ تنسى معرفة مضرته الداخلة في عقد الإيمان و مهما نسي المعرفة لم تظهر الكراهة.فإن الكراهة ثمرة المعرفة و قد يتذكر الإنسان،فيعلم أن الخاطر الذي خطر له هو خاطر الرياء الذي يعرضه لسخط اللّه،و لكن يستمر عليه لشدة شهوته،فيغلب هواه عقله،و لا يقدر على ترك لذة الخال فيسوف بالتوبة،أو يتشاغل عن التفكر في ذلك لشدة الشهوة،فكم من عالم يحضره كلام لا يدعوه إلى فعله إلا رياء الخلق،و هو يعلم ذلك و لكنه يستمر عليه ،فتكون الحجة عليه أوكد ،إذ قبل داعي الرياء مع علمه بغائلته،و كونه مذموما عند اللّه.و لا تنفعه معرفته، إذا خلت المعرفة عن الكراهة.و قد تحضر المعرفة و الكراهة،و لكن مع ذلك يقبل داعى الرياء و يعمل به،لكون الكراهة ضعيفة بالإضافة إلى قوة الشهوة.و هذا أيضا لا ينتفع بكراهته،إذ الغرض من الكراهة أن تصرف عن الفعل فإذا لا فائدة إلا في اجتماع الثلاث،و هي المعرفة،و الكراهة و الإباء.فالإباء ثمرة الكراهة،و الكراهة ثمرة المعرفة،و قوة المعرفة بحسب قوة الإيمان و نور العلم،و ضعف المعرفة بحسب الغفلة،و حب الدنيا،و نسيان الآخرة،و قلة التفكر فيما عند اللّه،و قلة التأمل في آفات الحياة الدنيا و عظيم نعيم الآخرة.و بعض ذلك ينتج بعضا و يثمره،و أصل ذلك كله حب الدنيا و غلبة الشهوات،فهو رأس كل خطيئة،و منبع كل ذنب،لأن حلاوة حب الجاه و المنزلة و نعيم الدنيا،هي التي تغضب القلب و تسلبه،و تحول بينه و بين التفكر في العاقبة،و الاستضاءة بنور الكتاب،و السنة،و أنوار العلوم.فإن قلت:فمن صادف من نفسه كراهة الرياء،و حملته الكراهة على الإباء،و لكنه مع ذلك غير خال عن ميل الطبع إليه،و حبه له،و منازعته إياه،إلا أنه كاره لحبه و لميله إليه،و غير محبب إليه فهل يكون في زمرة المرائين ؟