إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٠ - و أما السبب الثاني و هو الأقوى أن الروح أمر ربانى
فأن تكون مستوليا عليه.فصار الاستيلاء على الكل محبوبا بالطبع،لأنه نوع كمال.و كل موجود يعرف ذاته،فإنه يحب ذاته،و يحب كمال ذاته و يلتذ به.إلا أن الاستيلاء على الشيء بالقدرة على التأثير فيه،و على تغييره بحسب الإرادة،و كونه مسخرا لك تردده كيف تشاء،فأحب الإنسان أن يكون له استيلاء على كل الأشياء الموجودة معه.إلا أن الموجودات منقسمة إلى ما لا يقبل التغيير في نفسه ،كذات اللّه تعالى و صفاته،و إلى ما يقبل التغيير، و لكن لا يستولى عليه قدرة الخلق،كالأفلاك،و الكواكب،و ملكوت السموات و نفوس الملائكة،و الجن،و الشياطين،و كالجبال،و البحار،و ما تحت الجبال و البحار.و إلى ما يقبل التغيير بقدرة العبد،كالأرض و أجزائها و ما عليها من المعادن،و النبات،و الحيوان و من جملتها قلوب الناس،فإنها قابلة للتأثير و التغيير مثل أجسادهم و أجساد الحيوانات.
فإذا انقسمت الموجودات إلى ما يقدر الإنسان على التصرف فيه،كالأرضيات،و إلى ما لا يقدر عليه،كذات اللّه تعالى،و الملائكة،و السموات.أحب الإنسان أن يستولى على السموات بالعلم،و الإحاطة،و الاطلاع على أسرارها،فإن ذلك نوع استيلاء،إذ المعلوم المحاط به كالداخل تحت العلم،و العالم كالمستولى عليه.فلذلك أحب أن يعرف اللّه تعالى، و الملائكة،و الأفلاك،و الكواكب،و جميع عجائب السموات،و جميع عجائب البحار و الجبال و غيرها،لأن ذلك نوع استيلاء عليها،و الاستيلاء نوع كمال.و هذا يضاهي اشتياق من عجز عن صنعة عجيبة،إلى معرفة طريق الصنعة فيها.كمن يعجز عن وضع الشطرنج فإنه قد يشتهي أن يعرف اللعب به،و أنه كيف وضع .و كمن يرى صنعة عجيبة في الهندسة ، أو الشعبدة،أو جر الثقيل أو غيره،و هو مستشعر في نفسه بعض العجز و القصور عنه، و لكنه يشتاق إلى معرفة كيفيته،فهو متألم ببعض العجز،متلذذ بكمال العلم إن علمه و أما القسم الثاني:و هو الأرضيات التي يقدر الإنسان عليها،فإنه يحب بالطبع أن يستولى عليها بالقدرة على التصرف فيها كيف يريد،و هي قسمان:أجساد،و أرواح أما الأجساد،فهي الدراهم،و الدنانير،و الأمتعة،فيجب أن يكون قادرا عليها،يفعل فيها ما شاء من الرفع،و الوضع،و التسليم،و المنع،فإن ذلك قدرة،و القدرة كمال،و الكمال من صفات الربوبية،و الربوبية محبوبة بالطبع.فلذلك أحب الأموال و إن كان لا يحتاج إليها