إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٧ - فإن قلت فإذا كان الشيطان لا تؤمن نزغاته فهل يجب الترصد له قبل حضوره
[١]«إنّه ليغان على قلبي »[٢]مع أن شيطانه قد أسلم و لا يأمره إلا بخير .فمن ظن أن اشتغاله بحب اللّه أكثر من اشتغال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و سائر الأنبياء عليهم السّلام فهو مغرور.و لم يؤمنهم ذلك من كيد الشيطان.و لذلك لم يسلم منه آدم و حواء في الجنة التي هي دار الأمن و السرور،بعد أن قال اللّه لهما إِنَّ هٰذٰا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلاٰ يُخْرِجَنَّكُمٰا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقىٰ. إِنَّ لَكَ أَلاّٰ تَجُوعَ فِيهٰا وَ لاٰ تَعْرىٰ. وَ أَنَّكَ لاٰ تَظْمَؤُا فِيهٰا وَ لاٰ تَضْحىٰ [١]و مع أنه لم ينه إلا عن شجرة واحدة ،و أطلق له وراء ذلك ما أراد .فإذا لم يأمن نبي من الأنبياء و هو في الجنة دار الأمن و السعادة من كيد الشيطان،فكيف يجوز لغيره أن يأمن في دار الدنيا،و هي منبع المحن و الفتن،و معدن الملاذ و الشهوات المنهي عنها!و قال موسى عليه السلام،فيما أخبر عنه تعالى هٰذٰا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ [٢]و لذلك حذر اللّه منه جميع الخلق فقال تعالى يٰا بَنِي آدَمَ لاٰ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطٰانُ كَمٰا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [٣]و قال عز و جل إِنَّهُ يَرٰاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاٰ تَرَوْنَهُمْ [٤]و القرءان من أوله إلى آخره تحذير من الشيطان.فكيف يدع الأمن منه؟.و أخذ الحذر من حيث أمر اللّه به لا ينافي الاشتغال بحب اللّه.فإن من الحب له امتثال أمره.و قد أمر بالحذر من العدو،كما أمر بالحذر من الكفار.فقال تعالى وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُم ْ [٥]و قال تعالى وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِبٰاطِ الْخَيْلِ [٦]فإذا لزمك بأمر اللّه الحذر من العدوّ الكافر و أنت تراه فبأن يلزمك الحذر من عدو يراك و لا تراه أولى.و لذلك قال ابن محيريز:صيد تراه و لا يراك يوشك أن تظفر به.و صيد يراك و لا تراه يوشك أن يظفر بك.فأشار إلى الشيطان فكيف و ليس في الغفلة عن عداوة الكافر إلا قتل هو شهادة،و في إهمال الحذر من الشيطان التعرض للنار و العقاب الأليم؟فليس من الاشتغال باللّه الإعراض عما حذر اللّه.و به يبطل مذهب الفرقة الثانية في ظنهم أن ذلك قادح في التوكل.فإن أخذ الترس و السلاح،و جمع الجنود،و حفر الخندق،لم يقدح في توكل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.فكيف يقدح
[١] طه:١١٧،١١٨،١١٩
[٢] القصص:١٥
[٣] الأعراف:٢٧
[٤] الأعراف:٢٧
[٥] النساء:١٠٢
[٦] الانفال:٦٠