إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٨ - فإن قلت فإذا كان الشيطان لا تؤمن نزغاته فهل يجب الترصد له قبل حضوره
في التوكل الخوف مما خوف اللّه به،و الحذر مما أمر بالحذر منه!.و قد ذكرنا في كتاب التوكل ما يبين غلط من زعم أن معنى التوكل النزوع عن الأسباب بالكلية.و قوله تعالى وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِبٰاطِ الْخَيْلِ [١]لا يناقض امتثال التوكل،مهما اعتقد القلب أن الضار و النافع،و المحيي،و المميت هو اللّه تعالى.فكذلك يحذر الشيطان و يعتقد أن الهادي و المضل هو اللّه،و يرى الأسباب وسائط مسخرة كما ذكرناه في التوكل و هذا ما اختاره الحارث المحاسبي رحمه اللّه،و هو الصحيح الذي يشهد له نور العلم.و ما قبله يشبه أن يكون من كلام العبّاد الذين لم يغزر علمهم،و يظنون أن ما يهجم عليهم من الأحوال في بعض الأوقات من الاستغراق باللّه يستمر على الدوام،و هو بعيد.
ثم اختلفت هذه الفرقة على ثلاثة أوجه في كيفية الحذر.فقال قوم:إذا حذرنا اللّه تعالى العدوّ،فلا ينبغي أن يكون شيء أغلب على قلوبنا من ذكره،و الحذر منه،و الترصد له فإنا إن غفلنا عنه لحظة،فيوشك أن يهلكنا.و قال قوم:إن ذلك يؤدى إلى خلو القلب عن ذكر اللّه،و اشتغال الهم كله بالشيطان،و ذلك مراد الشيطان منا،بل نشتغل بالعبادة و بذكر اللّه تعالى،و لا ننسى الشيطان و عداوته،و الحاجة إلى الحذر منه.فنجمع بين الأمرين فإنا إن نسيناه ربما عرض من حيث لا نحتسب،و إن تجردنا لذكره كنا قد أهملنا ذكر اللّه.فالجمع أولى و قال العلماء المحققون :غلط الفريقان.أما الأول فقد تجرد لذكر الشيطان و نسي ذكر اللّه،فلا يخفى غلطه .و إنما أمرنا بالحذر من الشيطان كيلا يصدنا عن الذكر،فكيف نجعل ذكره أغلب الأشياء على قلوبنا،و هو منتهى ضرر العدو؟ثم يؤدى ذلك إلى خلو القلب عن نور ذكر اللّه تعالى.فإذا قصد الشيطان مثل هذا القلب،و ليس فيه نور ذكر اللّه تعالى و قوة الاشتغال به،فيوشك أن يظفر به،و لا يقوى على دفعه.فلم يأمرنا بانتظار الشيطان،و لا بإدمان ذكره و أما الفرقة الثانية:فقد شاركت الأولى،إذ جمعت في القلب بين ذكر اللّه و الشيطان و بقدر ما يشتغل القلب بذكر الشيطان ينقص من ذكر اللّه.و قد أمر اللّه الخلق بذكره و نسيان ما عداه،إبليس و غيره.فالحق أن يلزم العبد قلبه الحذر من الشيطان،و يقرر على نفسه عداوته،فإذا اعتقد ذلك و صدق به،و سكن الحذر فيه.فيشتغل بذكر اللّه،و يكب
[١] الانفال:٦٠