إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٠ - بيان
من حلال،ويحك أنت في أنواع من النعم و الشهوات،من مكاسب السحت و الشبهات لا تخشى الانقطاع!أف لك،ما أعظم جهلك.ويحك،فإن تخلفت في القيامة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم،محمد المصطفى،لتنظرن إلى أهوال جزعت منها الملائكة و الأنبياء و لئن قصرت عن السباق،فليطولن عليك اللحاق،و لئن أردت الكثرة،لتصيرن إلى حساب عسير.و لئن لم تقنع بالقليل،لتصيرن إلى وقوف طويل،و صراخ و عويل.
و لئن رضيت بأحوال المتخلفين،لتقطعن عن أصحاب اليمين،و عن رسول رب العالمين، و لتبطئن عن نعيم المتنعمين .و لئن خالفت أحوال المتقين،لتكونن من المحتبسين في أهوال يوم الدين.فتدبر ويحك ما سمعت .و بعد فإن زعمت أنك في مثال خيار السلف،قنع بالقليل،زاهد في الحلال،بذول لمالك،مؤثر على نفسك،لا تخشى الفقر،و لا تدخر شيئا لغدك،مبغض للتكاثر و الغنى،راض بالفقر و البلى،فرح بالقلة و المسكنة،مسرور بالذل و الضعة،كاره للعلو و الرفعة،قوى في أمرك،لا يتغير عن الرشد قلبك،قد حاسبت نفسك في اللّه،و أحكمت أمورك كلها على ما وافق رضوان اللّه،و لن توقف في المسألة، و لن يحاسب مثلك من المتقين،و إنما تجمع المال الحلال للبذل في سبيل اللّه،ويحك.أيها المغرور،فتدبر الأمر،و أمعن النظر.أما علمت أن ترك الاشتغال بالمال،و فراغ القلب للذكر،و التذكر،و التذكار،و الفكر،و الاعتبار،أسلم للدين،و أيسر للحساب،و أخف للمسألة،و آمن من روعات القيامة،و أجزل للثواب،و أعلى لقدرك عند اللّه أضعافا؟بلغنا عن بعض الصحابة أنه قال،لو أن رجلا في حجره دنانير يعطيها،و الآخر يذكر اللّه،لكان الذاكر أفضل .و سئل بعض أهل العلم،عن الرجل يجمع المال لأعمال البر.قال تركه أبرّ به و بلغنا أن بعض خيار التابعين،سئل عن رجلين،أحدهما طلب الدنيا حلالا فأصابها،فوصل بها رحمه،و قدم لنفسه.و أما الآخر فإنه جانبها فلم يطلبها و لم يتناولها.فأيهما أفضل، قال بعيد و اللّه ما بينهما.الذي جانبها أفضل كما بين مشارق الأرض و مغاربها ويحك.فهذا الفضل لك بترك الدنيا على من طلبها.و لك في العاجل إن تركت الاشتغال بالمال،أن ذلك أروح لبدنك،و أقل لتعبك،و أنعم لعيشك،و أرضى لبالك،و أقل لعمومك.فما عذرك في جمع المال،و أنت بترك المال أفضل ممن طلب المال لأعمال البر؟