إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧١ - بيان
نعم:و شغلك بذكر اللّه أفضل من بذل المال في سبيل اللّه،فاجتمع لك راجة العاجل ،مع السلامة و الفضل في الآجل .و بعد،فلو كان في جمع المال فضل عظيم،لوجب عليك في مكارم الأخلاق أن تتأسى بنبيك.إذ هداك اللّه به،و ترضى ما اختاره لنفسه من مجانبة الدنيا ويحك،تدبر ما سمعت،و كن على يقين أن السعادة و الفوز في مجانبة الدنيا،فسر مع لواء المصطفى،سابقا إلى جنة المأوى،فإنه بلغنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]قال «سادات المؤمنين في الجنّة من إذا تغدّى لم يجد عشاء و إذا استقرض لم يجد قرضا و ليس له فضل كسوة إلاّ ما يواريه و لم يقدر على أن يكتسب ما يغنيه يمسي مع ذلك و يصبح راضيا عن ربّه» فَأُولٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّٰهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَدٰاءِ وَ الصّٰالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً [١]:ألا يا أخي،متى جمعت هذا المال بعد هذا البيان،فإنك مبطل فيما ادعيت أنك للبر و الفضل تجمعه.لا،و لكنك خوفا من الفقر تجمعه،و للتنعم،و الزينة،و التكاثر،و الفخر،و العلو،و الرياء،و السمعة،و التعظم و التكرمة تجمعه،ثم تزعم أنك لأعمال البر تجمع المال،ويحك،راقب اللّه و استحى من دعواك أيها المغرور.ويحك،إن كنت مفتونا بحب المال و الدنيا،فكن مقرا أن الفضل و الخير في الرضا بالبلغة ،و مجانبة الفضول.نعم:و كن عند جمع المال مزريا على نفسك معترفا بإساءتك،وجلا من الحساب.فذلك أنجى لك،و أقرب إلى الفضل من طلب الحجج لجمع المال إخواني:اعلموا أن دهر الصحابة كان الحلال فيه موجودا،و كانوا مع ذلك من أورع الناس و أزهدهم في المباح لهم،و نحن في دهر الحلال فيه مفقود،و كيف لنا من الحلال مبلغ القوت و ستر العورة فأما جمع المال في دهرنا،فأعاذنا اللّه و إياكم منه و بعد،فأين لنا بمثل تقوى الصحابة و ورعهم،و مثل زهدهم و احتياطهم.و أين لنا مثل ضمائرهم و حسن نياتهم.دهينا و رب السماء بأدواء النفوس و أ هوائها،و عن قريب يكون
[١] النساء:٦٩