إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٩
و مكايد النفس و خفاياها في هذا الفن لا تنحصر و لا ينجيك منها إلا أن تخرج ما سوى اللّه من قلبك،و تتجرد بالشفقة على نفسك بقية عمرك،و لا ترضى لها بالنار بسبب شهوات منغصة في أيام متقاربة،و تكون في الدنيا كملك من ملوك الدنيا قد أمكنته الشهوات، و ساعدته اللذات،و لكن في بدنه سقم،و هو يخاف الهلاك على نفسه في كل ساعة لو اتسع في الشهوات.و علم أنه لو احتمى و جاهد شهوته،عاش و دام ملكه.فلما عرف ذلك جالس الأطباء،و حارف الصيادلة،و عود نفسه شرب الأدوية المرة،و صبر على بشاعتها و هجر جميع اللذات،و صبر على مفارقتها.فبدنه كل يوم يزداد نحو لا لقلة أكله،و لكن سقمه يزداد كل يوم نقصانا لشدة احتمائه.فمهما نازعته نفسه إلى شهوة تفكر في توالى الأوجاع و الآلام عليه،و أداء ذلك إلى الموت المفرق بينه و بين مملكته،الموجب لشماتة الأعداء به.و مهما اشتد عليه شرب دواء تفكر فيما يستفيده منه من الشفاء،الذي هو سبب التمتع بملكه و نعيمه،في عيش هنيء،و بدن صحيح،و قلب رخى،و أمر نافذ،فيخف عليه مهاجرة اللذات ،و مصابرة المكروهات.فكذلك المؤمن المريد لملك الآخرة.احتمى عن كل مهلك له في آخرته،و هي لذات الدنيا و زهرتها،فاجتزى منها بالقليل،و اختار النحول و الذبول،و الوحشة،و الحزن،و الخوف،و ترك المؤانسة بالخلق،خوفا من أن يحل عليه غضب من اللّه فيهلك،و رجاء أن ينجو من عذابه.فخف ذلك كله عليه عند شدة يقينه، و إيمانه بعاقبة أمره،و بما أعدّ له من النعيم المقيم في رضوان اللّه أبد الآباد.ثم علم أن اللّه كريم رحيم،لم يزل لعباده المريدين لمرضاته عونا،و بهم رءوفا،و عليهم عطوفا.و لو شاء لأغناهم عن التعب،و لكن أراد أن يبلوهم،و يعرف صدق إرادتهم،حكمة منه و عدلا ثم إذا تحمل التعب في بدايته،أقبل اللّه عليه بالمعونة و التيسير و حط عنه الأعياء،و سهل عليه الصبر،و حبب إليه الطاعة،و رزقه فيها من لذة المناجاة ما يلهيه عن سائر اللذات و يقويه على إماتة الشهوات،و يتولى سياسته و تقويته،و أمده بمعونته.فإن الكريم لا يضيع سعى الراجي،و لا يخيب أمل المحب،و هو الذي يقول.من تقرب إلىّ شبرا تقربت إليه ذارعا:و يقول تعالى.لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي،و إنى إلى لقائهم أشد شوقا.فليظهر العبد في البداية جده و صدقه و إخلاصه،فلا يعوزه من اللّه تعالى على القرب ما هو اللائق،بجوده،و كرمه،و رأفته،و رحمته .تم كتاب ذم الجاه و الرياء،و الحمد للّٰه وحده