إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٤ - المقام الثاني في دفع العارض منه في أثناء العبادة
فاعلم أن اللّه لم يكلف العباد إلا ما تطبق،و ليس في طاقة العبد منع الشيطان عن نزغاته ،و لا قمع الطبع حتى لا يميل إلى الشهوات و لا ينزع إليها.و إنما غايته أن يقابل شهوته بكراهة استثارها من معرفة العواقب و علم الدين،و أصول الإيمان باللّه و اليوم الآخر.فإذا فعل ذلك فهو الغاية في أداء ما كلف به.و يدل على ذلك من الأخبار ما روى أن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]شكوا إليه و قالوا.تعرض لقلوبنا أشياء لأن نخر من السماء فتخطفنا الطير،أو تهوى بنا الريح في مكان سحيق،أحب إلينا من أن نتكلم بها.فقال عليه السّلام«أ و قد وجدتموه؟»قالوا نعم قال«ذلك صريح الإيمان» و لم يجدوا إلا الوسواس و الكراهة له.و لا يمكن أن يقال أراد بصريح الإيمان الوسوسة فلم يبق إلا حمله على الكراهة المساوقة للوسوسة.و الرياء و إن كان عظيما فهو دون الوسوسة في حق اللّه تعالى.فإذا اندفع ضرر الأعظم بالكراهة،فبأن يندفع بها ضرر الأصغر أولى و كذلك يروى عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم في حديث ابن عباس أنه قال[٢]«الحمد للّٰه الّذي ردّ كيد الشّيطان إلى الوسوسة»و قال أبو حازم:ما كان من نفسك،و كرهته نفسك لنفسك،فلا يضرك ما هو من عدوك.و ما كان من نفسك،فرضيته نفسك لنفسك،فعاتبها عليه.فإذا وسوسة الشيطان و منازعة النفس لا تضرك،مهما رددت مرادهما بالإباء و الكراهة.و الخواطر التي هي العلوم،و التذكرات،و التخيلات للأسباب المهيجة للرياء،هي من الشيطان.و الرغبة و الميل بعد تلك الخواطر من النفس.و الكراهة من الإيمان و من آثار العقل.إلا أن للشيطان هاهنا مكيدة،و هي أنه إذا عجز عن حمله على قبول الرياء،خيل إليه أن صلاح قلبه في الاشتغال بمجادلة الشيطان و مطاولته في الرد و الجدال،حتى يسلبه ثواب الإخلاص و حضور القلب.لأن الاشتغال بمجادلة الشيطان و مدافعته انصراف عن سر المناجاة مع اللّه،فيوجب ذلك نقصانا في منزلته عند اللّه