إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٩ - القسم الأول،الطاعات اللازمة للبدن التي لا تتعلق بالغير
سربا تحت الأرض،ألقى في قلبك حلاوة معرفة الناس لتزهدك و هربك منهم،و تعظيمهم لك بقلوبهم على ذلك.فكيف تتخلص منه؟بل لا نجاة منه إلا بأن تلزم قلبك معرفة آفة الرياء،و هو أنه ضرر في الآخرة،و لا نفع فيه في الدنيا،لتلزم الكراهة و الإباء قلبك و تستمر مع ذلك على العمل و لا تبالي،و إن نزغ العدو نازغ الطبع،فإن ذلك لا ينقطع و ترك العمل لأجل ذلك يجر إلى البطالة و ترك الخيرات فما دمت تجد باعثا دينيا على العمل،فلا تترك العمل،و جاهد خاطر الرياء،و ألزم قلبك الحياء من اللّه إذا دعتك نفسك إلى أن تستبدل بحمده حمد المخلوقين،و هو مطلع على قلبك و لو اطلع الخلق على قلبك و أنك تريد حمدهم لمقتوك.بل إن قدرت على أن تزيد في العمل حياء من ربك،و عقوبة لنفسك،فافعل.فإن قال لك الشيطان أنت مراء،فاعلم كذبه و خدعه بما تصادف في قلبك من كراهة الرياء،و إبائه،و خوفك منه،و حيائك من اللّه تعالى.
و إن لم تجد في قلبك له كراهية،و منه خوفا،و لم يبق باعث ديني،بل تجرد باعث الرياء فاترك العمل عند ذلك و هو بعيد،فمن شرع في العمل للّٰه فلا بد أن يبقى معه أصل قصد الثواب فإن قلت:فقد نقل عن أقوام ترك العمل مخافة الشهرة .روى أن إبراهيم النخعي دخل عليه إنسان و هو يقرأ،فأطبق المصحف و ترك القراءة،و قال،لا يرى هذا أنا نقرأ كل ساعة.و قال إبراهيم التيمي:إذا أعجبك الكلام فاسكت.و إذا أعجبك السكوت فتكلم و قال الحسن:إن كان أحدهم ليمر بالأذى ما يمنعه من دفعه إلا كراهة الشهرة.و كان أحدهم يأتيه البكاء فيصرفه إلى الضحك مخافة الشهرة.و قد ورد في ذلك آثار كثيرة قلنا هذا يعارضه ما ورد من إظهار الطاعات ممن لا يحصى.و إظهار الحسن البصري هذا الكلام في معرض الوعظ،أقرب إلى خوف الشهرة من البكاء،و إماطة الأذى عن الطريق ثم لم يتركه.
و بالجملة ترك النوافل جائز.و الكلام في الأفضل.و الأفضل إنما يقدر عليه الأقوياء دون الضعفاء.فالأفضل أن يتمم العمل و يجتهد في الإخلاص،و لا يتركه.و أرباب الأعمال قد يعالجون أنفسهم بخلاف الأفضل لشدة الخوف.فالاقتداء ينبغي أن يكون بالأقوياء.و أما إطباق إبراهيم النخعي المصحف،فيمكن أن يكون لعلمه بأنه سيحتاج إلى ترك القراءة عند دخوله،و استئنافه بعد خروجه للاشتغال بمكالمته .فرأى أن لا يراه في القراءة