إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٣ - بيان
ما هذه إلا جزية،ما هذه إلا أخت الجزية،انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا إليّ.فانطلقا نحو السليمي، فسمع بهما،فقام إلى خيار أسنان إبله،فعزلها للصدقة،ثم استقبلهما بها.فلما رأوها،قالوا لا يجب عليك ذلك،و ما نريد نأخذ هذا منك.قال بلى خذوها،نفسى بها طيبة.و إنما هي لتأخذوها.
فلما فرغا من صدقاتهما،رجعا حتى مرّا بثعلبة،فسألاه الصدقة،فقال أرونى كتابكما فنظر فيه،فقال هذه أخت الجزية،انطلقا حتى أرى رأيى.فانطلقا حتى أتيا النبي صلّى اللّه عليه و سلم فلما رآهما قال«يا ويح ثعلبة»قبل أن يكلماه،و دعا للسليمى.فأخبراه بالذي صنع ثعلبة، و بالذي صنع السليمي.فأنزل اللّه تعالى في ثعلبة وَ مِنْهُمْ مَنْ عٰاهَدَ اللّٰهَ لَئِنْ آتٰانٰا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَ لَنَكُونَنَّ مِنَ الصّٰالِحِينَ. فَلَمّٰا آتٰاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَ تَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفٰاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمٰا أَخْلَفُوا اللّٰهَ مٰا وَعَدُوهُ وَ بِمٰا كٰانُوا يَكْذِبُونَ [١]و عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم رجل من أقارب ثعلبة،فسمع ما أنزل اللّه فيه،فخرج حتى أتى ثعلبة،فقال لا أم لك يا ثعلبة،قد أنزل اللّه فيك كذا و كذا.فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلّى اللّه عليه و سلم،فسأله أن يقبل منه صدقته،فقال«إنّ اللّه منعني أن أقبل منك صدقتك»فجعل يحثو التراب على رأسه.فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم«هذا عملك أمرتك فلم تطعني»فلما أبي أن يقبل منه شيئا،رجع إلى منزله.فلما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم،جاء بها إلى أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه،فأبى أن يقبلها منه .و جاء بها إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه،فأبى أن يقبلها منه.و توفى ثعلبة بعد في خلافة عثمان فهذا طغيان المال و شؤمه،و قد عرفته من هذا الحديث.و لأجل بركة الفقر و شؤم الغنى،آثر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم الفقر لنفسه و لأهل بيته ،حتى روى عن عمران ابن حصين رضي اللّه عنه أنه قال،كانت لي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]منزلة و جاه،فقال«يا عمران إنّ لك عندنا منزلة و جاها فهل لك في عيادة فاطمة بنت رسول اللّه
[١] التوبة:٧٥،٧٦،٧٧