إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٠ - القسم الأول إظهار نفس العمل
الذي جاء بالصرة،فتتابع الناس بالعطية لما رأوه،فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلم [١]«من سنّ سنّة حسنة فعمل بها كان له أجرها و أجر من اتّبعه»و تجرى سائر الأعمال هذا المجرى من الصلاة،و الصيام،و الحج،و الغزو و غيرها،و لكن الاقتداء في الصدقة على الطباع أغلب .نعم الغازي إذا هم بالخروج،فاستعد و شد الرحل قبل القوم، تحريضا لهم على الحركة،فذلك أفضل له.لأن الغزو في أصله من أعمال العلانية لا يمكن إسراره.فالمبادرة إليه ليست من الإعلان،بل هو تحريض مجرد.و كذلك الرجل قد يرفع صوته في الصلاة بالليل،لينبه جيرانه و أهله،فيقتدى به فكل عمل لا يمكن إسراره كالحج و الجهاد و الجمعة،فالأفضل المبادرة إليه و إظهار الرغبة فيه للتحريض بشرط أن لا يكون فيه شوائب الرياء و أما ما يمكن إسراره كالصدقة و الصلاة،فإن كان إظهار الصدقة يؤذى المتصدق عليه، و يرغب الناس في الصدقة،فالسر أفضل.لأن الإيذاء حرام.فإن لم يكن فيه إيذاء،فقد اختلف الناس في الأفضل.فقال قوم السر أفضل من العلانية،و إن كان في العلانية قدوة و قال قوم السر أفضل من علانية لا قدوة فيها.أما العلانية للقدوة فأفضل من السرّ.
و يدل على ذلك أن اللّه عز و جل أمر الأنبياء بإظهار العمل للاقتداء،و خصهم بمنصب النبوة و لا يجوز أن يظن بهم أنهم حرموا أفضل العملين،و يدل عليه قوله عليه السّلام«له أجرها و أجر من عمل بها»و قد روى في الحديث[٢]أن عمل السر يضاعف على عمل العلانية سبعين ضعفا.و يضاعف عمل العلانية إذا استن بعامله على عمل السر سبعين ضعفا،و هذا لا وجه للخلاف فيه،فإنه مهما انفك القلب عن شوائب الرياء ،و تم الإخلاص على وجه