إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩١ - و أما السبب الثاني و هو الأقوى أن الروح أمر ربانى
في ملبسه و مطعمه،و في شهوات نفسه.و كذلك طلب استرقاق العبيد،و استعباد الأشخاص الأحرار،و لو بالقهر و الغلبة،حتى يتصرف في أجسادهم و أشخاصهم بالاستسخار،و إن لم يملك قلوبهم،فإنها ربما لم تعتقد كماله حتى يصير محبوبا لها،و يقوم القهر منزلته فيها،فإن الحشمة القهرية أيضا لذيذة لما فيها من القدرة القسم الثاني:نفوس الآدميين و قلوبهم،و هي أنفس ما على وجه الأرض.فهو يحب أن يكون له استيلاء و قدرة عليها،لتكون مسخرة له،متصرفة تحت إشارته و إرادته، لما فيه من كمال الاستيلاء،و التشبه بصفات الربوبية.و القلوب إنما تتسخر بالحب و لا تحب إلا باعتقاد الكمال،فإن كل كمال محبوب ،لأن الكمال من الصفات الإلهية،و الصفات الإلهية كلها محبوبة بالطبع،للمعنى الرباني من جملة معانى الإنسان،و هو الذي لا يبليه الموت فيعدمه و لا يتسلط عليه التراب فيأكله،فإنه محل الإيمان و المعرفة،و هو الواصل إلى لقاء اللّه تعالى و الساعي إليه فإذا معنى الجاه تسخر القلوب،و من تسخرت له القلوب كانت له قدرة و استيلاء عليها،و القدرة و الاستيلاء كمال،و هو من أوصاف الربوبية.فإذا محبوب القلب بطبعه الكمال بالعلم و القدرة،و المال و الجاه من أسباب القدرة،و لا نهاية للمعلومات، و لا نهاية للمقدورات.و ما دام يبقى معلوم أو مقدور فالشوق لا يسكن،و النقصان لا يزول و لذلك قال صلّى اللّه عليه و سلم«منهومان لا يشبعان»فإذا مطلوب القلوب الكمال،و الكمال بالعلم و القدرة،و تفاوت الدرجات فيه غير محصور،فسرور كل إنسان و لذته بقدر ما يدركه من الكمال فهذا هو السبب في كون العلم،و المال،و الجاه محبوبا،و هو أمر وراء كونه محبوبا لأجل التوصل إلى قضاء الشهوات،فإن هذه العلة قد تبقى مع سقوط الشهوات بل يحب الإنسان من العلوم ما لا يصلح للتوصل به إلى الأغراض.بل ربما يفوت عليه جملة من الأغراض و الشهوات.و لكن الطبع يتقاضى طلب العلم في جميع العجائب و المشكلات لأن في العلم استيلاء على المعلوم ،و هو نوع من الكمال الذي هو من صفات الربوبية،فكان محبوبا بالطبع.إلا أن في حب كمال العلم و القدرة أغاليط لا بد من بيانها إن شاء اللّه تعالى