إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٥ - بيان
نعم:و تبغض الفقر،و تأنف من المسكنة،و ذلك فخر المرسلين.و أنت تأنف من فخرهم،و أنت تدخر المال و تجمعه خوفا من الفقر،و ذلك من سوء الظن باللّه عز و جل و قلة اليقين بضمانه.و كفى به إثما و عساك تجمع المال لنعيم الدنيا،و زهرتها،و شهواتها،و لذاتها.و لقد بلغنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]قال«شرار أمّتى الّذين غذّوا بالنّعيم فربت عليه أجسامهم» و بلغنا أن بعض أهل العلم قال،ليجيء يوم القيامة قوم يطلبون حسنات لهم،فيقال لهم أَذْهَبْتُمْ طَيِّبٰاتِكُمْ فِي حَيٰاتِكُمُ الدُّنْيٰا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِهٰا [١]و أنت في غفلة،قد حرمت نعيم الآخرة بسبب نعيم الدنيا،فيا لها حسرة و مصيبة.نعم.و عساك تجمع المال للتكاثر و العلو،و الفخر،و الزينة في الدنيا،و قد بلغنا أنه من طلب الدنيا للتكاثر أو للتفاخر،لقى اللّه و هو عليه غضبان .و أنت غير مكترث بما حل بك من غضب ربك،حين أردت التكاثر و العلو.نعم:و عساك المكث في الدنيا أحب إليك من النقلة إلى جوار اللّه، فأنت تكره لقاء اللّه،و اللّه للقائك أكره ،و أنت في غفلة.و عساك تأسف على ما فاتك من عرض الدنيا،و قد بلغنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال«من أسف على دنيا فاتته اقترب من النّار مسيرة شهر»و قيل سنة.و أنت تأسف على ما فاتك،غير مكترث بقربك من عذاب اللّه.نعم:و لعلك تخرج من دينك أحيانا لتوفير دنياك،و تفرح بإقبال الدنيا عليك،و ترتاح لذلك سرورا بها،و قد بلغنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال [٢]«من أحبّ الدّنيا و سرّ بها ذهب خوف الآخرة من قلبه »و بلغنا أن بعض أهل العلم قال،إنك تحاسب على التحزن على ما فاتك من الدنيا،و تحاسب بفرحك في الدنيا إذا قدرت عليها.و أنت فرح بدنياك،و قد سلبت الخوف من اللّه تعالى.و عساك تعنى بأمور دنياك،أضعاف ما تعني بأمور آخرتك.و عساك ترى مصيبتك في معاصيك،أهون
[١] الأحقاف:٢٠.