إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٧ - بيان
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]قال«من اجترأ على الشّبهات أوشك أن يقع في الحرام » أيها المغرور،أما علمت أن خوفك من اقتحام الشبهات،أعلى و أفضل،و أعظم لقدرك عند اللّه،من اكتساب الشبهات،و بذلها في سبيل اللّه و سبيل البر؟بلغنا ذلك عن بعض أهل العلم قال،لأن تدع درهما واحدا،مخافة أن لا يكون حلالا،خير لك من أن تتصدق بألف دينار من شبهة،لا تدري أ يحل لك أم لا فإن زعمت أنك أتقى و أورع من أن تتلبس بالشبهات،و إنما تجمع المال بزعمك من الحلال للبذل في سبيل اللّه،ويحك إن كنت كما زعمت بالغا في الورع،فلا تتعرض للحساب فإن خيار الصحابة خافوا المسألة.و بلغنا أن بعض الصحابة قال،ما سرني أن أكتسب كل يوم ألف دينار من حلال،و أنفقها في طاعة اللّه،و لم يشغلني الكسب عن صلاة الجماعة.
قالوا و لم ذاك رحمك اللّه؟قال لأني غنى عن مقام يوم القيامة،فيقول عبدي من أين اكتسبت؟و في أي شيء أنفقت.فهؤلاء المتقون كانوا في جدة الإسلام،و الحلال موجود لديهم.تركوا المال وجلا من الحساب،مخافة أن لا يقوم خير المال بشره.و أنت بغاية الأمن،و الحلال في دهرك مفقود،تتكالب على الأوساخ،ثم تزعم أنك تجمع المال من الحلال.ويحك،أين الحلال فتجمعه .و بعد،فلو كان الحلال موجودا لديك أما تخاف أن يتغير عند الغنى قلبك ؟و قد بلغنا أن بعض الصحابة كان يرث المال الحلال، فيتركه مخافة أن يفسد قلبه.أ فتطمع أن يكون قلبك أتقى من قلوب الصحابة،فلا يزول عن شيء من الحق في أمرك و أحوالك؟لئن ظننت ذلك،لقد أحسنت الظن بنفسك الأمارة بالسوء ويحك،إنى لك ناصح،أرى لك أن تقنع بالبلغة ،و لا تجمع المال لأعمال البر ،و لا تتعرض للحساب،فإنه بلغنا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[٢]أنه قال«من نوقش الحساب عذّب»و قال عليه السّلام[٣]«يؤتى برجل يوم القيامة و قد جمع مالا من حرام و أنفقه