إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٢ - بيان
و قد علم أن جمع المال خير لهم.أو زعمت أن اللّه تعالى لم يعلم أن الفضل في الجمع، فلذلك نهاهم عنه،و أنت عليهم بما في المال من الخير و الفضل،فلذلك رغبت في الاستكثار، كأنك أعلم بموضع الخير و الفضل من ربك،تعالى اللّه عن جهلك أيها المفتون.تدبر بعقلك ما دهاك به الشيطان،حين زين لك الاحتجاج بمال الصحابة.ويحك،ما ينفعك الاحتجاج بمال عبد الرحمن بن عوف،و قد ود عبد الرحمن بن عوف في القيامة أنه لم يؤت من الدنيا إلا قوتا.و لقد بلغني أنه لما توفى عبد الرحمن بن عوف رضى اللّه عنه .قال أناس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم،إنا نخاف على عبد الرحمن فيما ترك.فقال كعب،سبحان اللّه،و ما تخافون على عبد الرحمن،كسب طيبا،و أنفق طيبا،و ترك طيبا.فبلغ ذلك أبا ذر، فخرج مغضبا يريد كعبا،فمر بعظم لحي بعير،فأخذه بيده،ثم انطلق يريد كعبا.فقيل لكعب،إن أبا ذر يطلبك،فخرج هاربا،حتى دخل على عثمان يستغيث به،و أخبره الخبر و أقبل أبو ذر يقص الأثر في طلب كعب،حتى انتهى إلى دار عثمان،فلما دخل،قام كعب فجلس خلف عثمان،هاربا من أبي ذر،فقال له أبو ذر،هيه يا ابن اليهودية،تزعم أن لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف،و لقد خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم،يوما نحو أحد و أنا معه،فقال«يا أبا ذرّ»فقلت لبيك يا رسول اللّه،فقال[١]«الأكثرون هم الأقلّون يوم القيامة إلاّ من قال هكذا و هكذا عن يمينه و شماله و قدّامه و خلفه و قليل ما هم» ثم قال«يا أبا ذرّ»قلت نعم يا رسول اللّه،بأبي أنت و أمي،قال«ما يسرّنى أنّ لي مثل أحد أنفقه في سبيل اللّه أموت يوم أموت و أترك منه قيراطين»قلت أو قنطارين يا رسول اللّه؟قال«بل قيراطان»ثم قال«يا أبا ذرّ أنت تريد الأكثر و أنا أريد الأقلّ» فرسول اللّه يريد هذا،و أنت تقول يا ابن اليهودية لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف،