إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦١ - بيان
حتى تسلمكم إلى الملك الديان عراة فرادى ،فيوقفكم على سوآتكم ثم يجزيكم بسوء أعمالكم ثم قال الحارث رحمه اللّه:إخواني،فهؤلاء علماء السوء،شياطين الإنس،و فتنة على الناس،رغبوا في عرض الدنيا و رفعتها،و آثروها على الآخرة،و أذلوا الدين للدنيا.فهم في العاجل عار و شين،و في الآخرة هم الخاسرون،أو يعفو الكريم بفضله .و بعد، فإنى رأيت الهالك المؤثر للدنيا ،سروره ممزوج بالتنغيص،فيتفجر عنه أنواع الهموم،و فنون المعاصي،و إلى البوار و التلف مصيره.فرح الهالك برجائه،فلم تبق له دنياه،و لم يسلم له دينه.خسر الدنيا و الآخرة،ذلك هو الخسران المبين.فيا لها من مصيبة ما أفظعها،و رزية ما أجلها.ألا فراقبوا اللّه إخواني،و لا يغرنكم الشيطان و أولياؤه،من الآنسين بالحجج الداحضة عند اللّه،فإنهم يتكالبون على الدنيا،ثم يطلبون لأنفسهم المعاذير و الحجج، و يزعمون أن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم كانت لهم أموال،فيتزين المغرورون بذكر الصحابة،ليعذرهم الناس على جمع المال،و لقد دهاهم الشيطان و ما يشعرون.
ويحك أيها المفتون.إن احتجاجك بمال عبد الرحمن بن عوف،مكيدة من الشيطان ينطق بها على لسانك فتهلك،لأنك متى زعمت أن أخيار الصحابة أرادوا المال للتكاثر و الشرف،و الزينة،فقد اغتبت السادة،و نسبتهم إلى أمر عظيم.و متى زعمت أن جمع المال الحلال أعلى و أفضل من تركه،فقد ازدريت محمدا و المرسلين،و نسبتهم إلى قلة الرغبة و الزهد في هذا الخير الذي رغبت فيه أنت و أصحابك،من جمع المال،و نسبتهم إلى الجهل إذ لم يجمعوا المال كما جمعت.و متى زعمت أن جمع المال الحلال أعلى من تركه،فقد زعمت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لم ينصح للأمة إذ نهاهم[١]عن جمع المال ،و قد علم أن جمع المال خير للأمة،فقد غشهم بزعمك حين نهاهم عن جمع المال،كذبت و رب السماء على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.فلقد كان للأمة ناصحا ،و عليهم مشفقا،و بهم رءوفا.و متى زعمت أن جمع المال أفضل،فقد زعمت أن اللّه عز و جل لم ينظر لعباده،حين نهاهم عن جمع المال،