المبسوط في فقه الإمامية - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٠ - فصل في ذكر المهادنة و أحكامها
يكون وثيقة مدة ليعلم بذلك من يأتي بعده و يقوم مقامه.
و أما نصارى تغلب و هم تنوخ و نهد و تغلب و هم من العرب انتقلوا إلى دين النصارى و أمرهم مشكل، و الظاهر يقتضي أنه تجرى عليهم أحكام أهل الكتاب لأنهم نصارى غير أن مناكحتهم و ذبائحهم لا تحل بلا خلاف، و ينبغي أن تؤخذ منهم الجزية، و لا تؤخذ منهم الزكاة لأن الزكاة لا تؤخذ إلا من مسلم، و مصرف الجزية مصرف الغنيمة سواء للمجاهدين، و كذلك ما يؤخذ منهم على وجه المعاوضة لدخول بلاد الإسلام، لأنه مأخوذ من أهل الشرك.
فصل في ذكر المهادنة و أحكامها
الهدنة و المعاهدة واحدة، و هو وضع القتال و ترك الحرب إلى مدة من غير عوض، و ذلك جائز لقوله تعالى «وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها» [١] و لأن النبي (صلى الله عليه و آله) صالح قريشا عام الحديبية على ترك القتال عشر سنين. فإذا ثبت جوازه فالكلام في فصلين:
أحدهما: في بيان الموضع الذي يجوز ذلك فيه، و الذي لا يجوز.
و الثاني: بيان المدة، و ليس يخلو الإمام من أن يكون مستظهرا أو غير مستظهر فإن كان مستظهرا و كان في الهدنة مصلحة للمسلمين و نظر لهم بأن يرجو منهم الدخول في الإسلام أو بذل الجزية فعل ذلك، و إن لم يكن فيه نظر للمسلمين بل كانت المصلحة في تركه بأن يكون العدو قليلا ضعيفا و إذا ترك قتالهم اشتدت شوكتهم و قروا [٢] فلا تجوز الهدنة لأن فيها ضررا على المسلمين.
فإذا هادنهم في الموضع الذي يجوز فيجوز أن يهادنهم أربعة أشهر بنص القرآن العزيز و هو قوله تعالى «فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ» [٣] و لا يجوز إلى سنة و زيادة
[١] الأنفال ٦١.
[٢] في بعض النسخ [قووا].
[٣] التوبة ٢.