سلمان سابق فارس عرض وتحليل - الفقيه، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٩ - الـهجـرةُ إلـى الله
واسطورة ثانية تقول : أن جبير المؤتفكي وجد بالقرب منها مغارةً على شاطئ البحر فيها تابوت من نحاس ، ففتحه فوجد فيه تابوتاً من فضة ، ففتحه فإذا فيه درج [١] من حجر الماس ، ففتحه فإذا فيه مكحلة من ياقوتةٍ حمراء مِرودُها عِرق زبرجد أخضر ، فدعا بعض غلمانه فكحل إحدى عينيه بشيء مما كان في تلك المكحلة فعرف مواضع الكنوز ، ونظر إلى معادن الذهب ومغاص الدرر ، فاستعان بذلك على بناء الإسكندرية .. إلى غير ذلك من الإساطير التي ترسمها مخيلة القصاصين. [٢]
ولقد كان الركبان الذين يقصدون الإسكندرية يتحدثون بهذا وأمثاله ، يُسَلّون به أنفسهم سيما إذا كان سفرهم عن طريق البحر فإن ذلك يشغلهم عن تذكر البحر وأهواله .. ولكن ماذا يعني سلمان من ذلك كله فهو يسمع ما يروونه عن الإسكندرية لكنه لا يلتفت إلى ما يقولون ، ولا يعبأ بما يتحدثون ، بل كل همه وتفكيره منصبان على كيفية اللقاء بالراهب الذي سيصل إليه ، وكيف سيكون معه ، وهل سيرته كسيرة صاحبيه.
وصل سلمان إلى الاسكندرية ، وسأل عن الراهب الذي أخذ إسمه ومواصفاته من سلفه الراحل ، واستدل على مكانه ، فوصفوا له صومعةً كان يقطن فيها شأن غيره من الرهبان. فلما وصل إليها وقف خارجها وتكلم بكلمات ما لبث بعدها أن أطل الراهب عليه ، ونظر سلمان إليه فوجد فيه مثل ما وجد في صاحبيه من الهدى والصلاح والزهد فاطمأن به المكان بعد أن رحب به الراهب أجمل ترحيب. وأبلغه سلمان سلام سلفه الراحل وسلمه اللوح.
وبقي سلمان معه مدةً من الزمن ، وكانت الأيام تمر سراعاً ، والسنين تتوالى والبشارة تقترب.
ومرض الراهب مرض الموت ، واستمر به المرض حتى إذا إحتضر إلتفت
[١] الدَرج : أشبه بالمحفظة.
[٢] للتفصيل راجع معجم البلدان ١ / ١٨٣ وما بعدها.