سلمان سابق فارس عرض وتحليل - الفقيه، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٥ - الـهجـرةُ إلـى الله
الأسقف شيخاً طاعناً في السن مربوع القامة ، في ظهره جنأ [١] كث اللحية أبيضها ، ذو عينين غارقتين تهدل فوقهما حاجبان انعقفا حتى اتصلا بصدغيه ، ترتسم على وجهه سيماء الصالحين .. تطلع سلمان إليه فأدرك فيه ملامح من سيرة المسيح ( ع ) فانتابته حالة من الذهول أطرق معها إلى الأرض ، إلا أن كلمات الأسقف هزته حيث اندفع نحوه متسائلاً من أنت؟ وماذا تريد؟
فرفع رأسه وقال : أنا رجل من أهل جي جئت أطلب العمل وأتعلم العلم ، فضمني إليك أخدمك وأصحبك ، وتعلمني شيئاً مما علمك الله!؟
قال الأسقف : نعم ، إصعد إلي.
صعد سلمان إليه ليبقى إلى جانبه يخدمه ويتعلم منه ، وكان الغالب في مأكله : الخل والزيت ، والحبوب ، جرايةً تجري له ، يقول سلمان : « فأجرى علي مثل ما كان يجرى عليه ... » وبدأ الأسقف يعلمه شريعة الله التي أنزلها على المسيح ويقرأ عليه صحائف من الإنجيل كان قد احتفظ بها ، ويطلعه على بعض الأسرار الإلهية التي تناهت إليه من حواريي عيسى عليهالسلام ، وقد وجد في سلمان الرجل القوي الأمين الذي يمكن أن يدفع إليه أمانته ووجد سلمان فيه الأب المشفق والعالم الروحاني الذي يوقفه على غامض العلم ويطلعه على شرائع الأنبياء.
ومرت الأيام تتوالى مسرعةً ، وانطوت سنين عديدة كان الأسقف خلالها يتقدم نحو أرذل العمر ، وفي ذات يوم اشتكى علةً في جسده سرعان ما ألزمته سريره ، وأدرك سلمان أنها الشيخوخة التي لا ينفع معها دواء ، فظل دائباً في خدمته والعناية به ليله ونهاره ، حتى إذا قوضت أيامه ودارت في صدره حشرجات الموت ، علم سلمان أن صاحبه يحتضر ، وأنه مفارق هذه الدنيا عن قريب ، فجلس عند رأسه يبكي.
[١] الإنحناء.