كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٤٢ - شرح كتاب «أثولوچيا» لمنسوب إلى أرسطاطاليس
الإقبال. فإذا صارت النفس بدنية و تمكنت فيها هيئات انقيادية للأمور البدنية من الشهوة و الغضب و غير ذلك بل صارت هذه الهيئات ملكات فيها، كانت النفس بعد البدن على الجملة التي كانت فى البدن، فتكون مصدودة [١] عن العالم العلوى: و يعنى بالأوساخ زوائد رديئة رذيلة [٢] غير طبيعية و لا مناسبة تلزم الشىء الذي هو بالقياس إليها نقى. فإذا فارقت النفس البدن و هيأتها استعلائية [٣]، بقيت متصلة بالعالم الأعلى، لابسة الجمال الأبهى، منقطعة عن العالم الذي كانت فيه.
[١] أى إذا فارقت البدن لم تتصل إلا بتعب شديد أى [١٤٧ ب]: تقاسى عذابا شديدا كبيرا حتى [٤] ينمحى عنها كل دنس و وسخ يعلق بها من البدن لأنها إنما تستبقى [٥] بالأفعال الردية [٦]. فإذا تعطلت جاز أن يبطل، بل وجب. فإن قال قائل: كما أن الهيئات و الكمالات التي ستحدث للنفس لا تتم إلا بالبدن على ما ادعيتم و بيّنتم، فكذلك [٧] بطلان الهيئات لا يكون إلا بالبدن، فإن الشىء لا يبطل بذاته؛ و ليس حكم البطلان إلا كحكم التجدد، فإنا نعلم أن سبب عدمه بعد ما كان موجودا إما أن يكون هيئة النفس الناطقة المفردة بطبيعتها التي تخصها عند الخلو من البدن، أو سبب من الأسباب التي من خارج، من الأسباب القائمة التي ليست على سبيل التجدد [٨] أو سبب من الأسباب المتجددة؛ أو تكون تلك الهيئة لا تبطل أصلا. و لو كانت العلة فى ذلك هيئة النفس الناطقة أو شيئا من العلل القائمة، لوجب أن تكون النفس كما تتجرد عن البدن تتخلص عن تلك الأوساخ و لا يكون لتزكيتها [٩] و هى فى البدن و لرياضتها و هى متعلقة بهذا العلم- فائدة: بل سواء كانت وسخة أو نقية فحالتاهما عند المفارقة واحدة. و ذلك أنه لا يجوز أن يحصل للأوساخ من نفسها ضعف بلا علة و لا للمؤثرات فيها قوة جديدة بلا علة، بل إذا لم يكن تجدّد حال كانت الأمور كما
[١] : «و أما التي قد اتصلت بالبدن و خضعت له و صارت كأنها بدنية لشدة انغماسها فى لذات البدن و شهواته، فإنها إذا فارقت البدن لم تصل إلى عالمها إلا بتعب شديد حتى تلقى عنها كلّ وسخ و دنس علق بها فى البدن» (ص ٧ س ١ الخ).
[١] صعوده- و هو تحريف ظاهر
[٢] رذلة
[٣] استغنائية
[٤] حتى: ناقصة
[٥] تستيقن
[٦] و إذا
[٧] كذلك
[٨] و أى
[٩] و لا يكون له كسبها