كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٦٩ - الميمر السابع

لنظام العالم. و الذي يجب أن تعلمه فى هذا، أن النفوس إذا فارقت الأبدان و استكملت بالعقل التام بالفعل [١٥٢ ب‌] صار لجواهرها قوة أفضل مما كانت و كأنها جنس قد ولد و له فى عالم الولادة أحوال أخرى و قوة أخرى؛ و هى بمثابة أن تشارك العلل و المبادى فى الفيض على هذا العالم بحيث لو جاز أن يوجد فى هذا العالم مزيد فى الكمال تقبله و فى الاستعداد يكون له، لكان يجب أن يزداد كل وقت نظام هذا العالم و فضائله، بل لكان قد حصل منه ما لا نهاية له و هو على الزيادة. إلا أن استعداد المادة و منتهى احتمالها محدود، و ذلك الحدّ ليس يقصّر عن تدبيره المبادى الأول حتى إذا انضاف إليها ماله قوة أخرى زاد فى ذلك. و هذا مثلا كما يتوهّم أن للماء فى تسخنه حدا محدودا، و أن ذلك الحد قد يخرج إلى الفعل بسبب نار ما معينة يصل إليه و يزيد على النار أضعافا مضاعفة، لم يقبل الماء من التسخين إلا ما فى قوته أن يقبل مع صدق قولك إن كل نار منها مبدأ للتسخين و فيه قوة التسخّن.

[١] أى كما أن الأسماع إذا شغلتها الضوضاء و الجلبة لم تسمع شيئا، كذلك النفس مشغولة بما يورد عليه العالم الحسّى، عن الشعور بعالمها.

[٢] أى لكل نفس قوتان: قوة معدّة ليحسّ بها مواصلتها لعالم العقل، و قوة معدّة ليحسّ بها مواصلتها لعالم الحس. و القوة الأولى هى العقل الهيولانى فالعقل بالملكة.

و القوة الثانية (و هى) أقربها إلى النفس، العقل العملى. و هذه الحواس الباطنة و الظاهرة.

[٣] قال إن نفس السماء غير مبتلاة من بدنها بما تختلف أحواله و أوقاته فيختلف تدبيره و يحتاج إلى جلب نوافع و دفع مضار فيختلف أيضا تدبيره؛ بل جوهره واحد متشابه‌


[١] : «فإن قال قائل: فلم لا نحسّ بذلك العالم (أى العلوى الذي كانت فيه النفس) كما نحسّ بهذا العالم؟ قلنا لأن العالم الحسى غالب علينا، و قد امتلأت أنفسنا من شهواته المذمومة، و أسماعنا من كثرة ما فيه من الضوضاء و اللغط (فى المطبوع اللفظ)، فلا نحسّ بذلك العالم العقلى و لا نعلم ما يؤدى إلينا النفس منه. و إنما نقوى على أن نحسّ بالعالم العقلىّ و بما تؤدى إلينا النفس منه متى علونا على هذا العالم و رفضنا شهواته الدنية و لم نشتغل بشي‌ء من أحواله» (ص ٨٣ س ١٣- س ١٨).

[٢] : «إن لكل نفس شيئا يتصل بالجرم سفلا، و يتصل بالعقل علوا» (ص ٨٤ س ٦).

[٣] : «و النفس الكلية تدبّر الجرم الكلى ببعض قوتها بلا تعب و لا نصب، لأنها لا تدبره بالفسكرة كما تدبر أنفسنا أبداننا، بل إنما تدبره تدبيرا عقليا كليا بلا (فى المطبوع: لا) فكر و لا رويّة (المطبوع: رؤية). و إنما صارت تدبره بلا روية (فى المطبوع: رؤية) لأنه جرم كلى لا اختلاف‌

-