كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٦٨ - الميمر السابع

يمكنها التصرف المذكور كانت لا يثبت‌ [١] لها شرفها.

[١] كأنه يقول: و إنما احتيج فى العناية الإلهية، كما هى عناية، إلى وجود شى‌ء مثل الهيولى يكون المكوّن منه قابلا للكون و الفساد لأجل أن تصير قابلة لتصرف النفس فيها ليكون فى الملكوت نشوء النفوس الناطقة إلى غير النهاية، فما لم يقبل صور على أحسن ما يقبل و جعل آلة [٢] و منفعة للجوهر الذي له النفس الناطقة و جعل كل أدنى كذلك للأفضل، فلم تضيّع الممكنات فى التكوين الشريف ما وجدت، و إن لم يكن المقصود الأول بحسب العناية.

[٢] إن الفيض الإلهى انقسم إلى إفادة ما وجوده وجود ثابت دائم بالعدد، و إلى وجود ما وجوده غير دائم و لا ثابت إلا بالنوع. فلو أفيض الوجود على أحد النوعين لم يكن الوجود مشتملا على أنحاء جميع الوجود الممكن، فلم يجب أن يقف الوجود قبل الوصول إلى حيز الكون و الفساد. و قال إن العقل و النفس، و إن تقدما [٣] الطبيعة بالذات، فهما تاليان للطبيعة فى تأثيرهما فى العالم الحسى القابل للكون و الفساد.

[٣] قال: هذا يدعى أن لنفوسنا إذا فارقت الأبدان تأثيرات فى هذا العالم و حفظا


[١] : «كذلك لم يكن ينبغى أن يكون النفس فى ذلك العالم العقلى وحدها و لا يكون شى‌ء قائم لآثارها، فمن أجل ذلك هبطت إلى العالم السفلىّ لتظهر أفعالها و قوتها الكريمة. و هذا لازم لكل طبيعة أن تفعل أفاعيلها و تؤثر فى الشى‌ء الذي يكون تحتها» (ص ٧٧ س ١١- س ١٥).

[٢] : «لما قبلت الهيولى الصورة من النفس، حدثت للطبيعة ثم صوّرت الطبيعة و صيّرتها قابلة للكون اضطرارا. و إنما صارت الطبيعة قابلة للكون لما جعل فيها من القوة النفسانية و العلل العالية. ثم وقف فعل العقل عند الطبيعة و مبدأ الكون. فالكون آخر العلل العقلية المصوّرة و أوّل الملل المكونة.

و لم يكن يجب أن يقف العلل الفواعل المصوّرة للجواهر من قبل أن تأتى الطبيعة. و إنما كان ذلك من أجل العلة الأولى التي صيرت الإنيات العقلية فعلا و فواعل مصوّرة للصور العرضية الواقعة تحت الكون و الفساد» (ص ٧٩ س ٣- س ١٠).

[٣] : « (إن النفس إذا صارت فى هذه الأشياء الحسية الدنية و صلت إلى الأشياء الضعيفة القوة القليلة النور. و ذلك أنها لمّا فعلت فى هذا العالم و أثّرت فيه الآثار العجيبة، لم تر من الواجب أن تحلّها، فتدثر سريعا، لأنها رسوم. و الرسم إذا لم يمدّه الراسم بالكون، اضمحلّ و فسد و انمحى، فلا يتبيّن جماله و لا تبين حكمة الراسم و قوته. فلما كان هذا هكذا، و كانت النفس هى التي أثرت هذه الآثار العجيبة فى هذا العالم، احتالت أن تكون هذه الآثار باقية). و ذلك أنها لما رجعت إلى عالمها و صارت فيه، أبصرت ذلك البهاء و النور و القوة فأخذت من ذلك النور و تلك القوة، و ألقته إلى هذا العالم، فأمدته بالنور و الحياة و القوة. فهذه حال النفس. و على هذا تدبر حال هذا العالم و تلزمه‌ (فى المطبوع: «تدبر»، «و تلزم» على هيئة مصادر)» (ص ٨٢ س ١٦- ص ٨٣ س ٦)


[١] غير واضحة فى الأصل فى م، و فى ت: كان يغيب لها شرفها

[٢] م: من‌

[٣] ن: تقدم.