كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٥٦ - الميمر الرابع

المستحيل و خساسة مبلغ شهواته و أعراض الغضب و الطمع و غير ذلك فيه. فإن‌ [١] جميع ذلك دون أن يستحق اعتكاف الهمة عليه. فإذا زكّى نفسه و طرح عنها هذه الأغشية و راضها و هذّبها [٢]، أعدّها لقبول الفيض العلوى. فرأى أول شى‌ء حسن نفسه فى جزئيتها و اعتلائها و عتاقها عما يعبد غيرها، و صار إليها من اللّه تعالى نور يصرفها عن كل شى‌ء و يحقّر عندها كل شى‌ء حسى، فابتهج و اغتبط و عزّ عند نفسه و علا و رحم دود هوة الملكوت‌ [٣] المرددين فى لا شى‌ء المتناحرين‌ [٤] عليه، بيناهم فى ذلك التخبط، إذ صاروا إلى البوار، و ضل عنهم ما كانوا يطلبون، و رحمهم من حيث هم محفوفون بكل غم و خوف و حسد و همّ‌ [٥] و رغبة و شغل فى شغل فى شغل‌ [٦]، و ذلك بهجة و نور يأتى‌ [٧] من عند اللّه بتوسط العقل ليس يهدى إليه الفكر [٨] و القياس إلا من جهة [١٥١ ا] الإثبات‌ [٩]، و أما من جهة خاصّ ماهيته و كيفيته فإنما يدل عليه المشاهدة. و لا ينال تلك المشاهدة إلا من استعدّ لها بصحة مزاج النفس‌ [١٠]، كما أن من لم يذق الحلو [١١] فيصدّق‌ [١٢] بأنه لذيذ، بضرب من القياس أو الشهادة، و لا ينال خاصة الالتذاذ به إلا بالتطعيم إن كان مستعدا لصحة مزاج البدن. فإن كانت هناك آفة لم يلتذّ بها أيضا و وجدت المشاهدة مخالفة لما كان يقع‌ [١٣] به التصديق السالف.

[١] لما أشار إلى النور الذي يسنح على النفوس الزكية من النور [١٤] الحق، قال: إن النور الحق الأول جلت عظمته ليس نورا، و لا على أحد وجهين: فإنه ليس نورا على أنه نور شى‌ء يتصل‌ [١٥] إلى ما يصل إليه ذلك الشى‌ء، و يكون وصول ذلك الشى‌ء سبب وصوله؛ و أيضا ليس هو نور الصفة من صفاته حتى يكون هو شيئا [١٦] ليس له النورية فى هويته، بل فى شى‌ء من صفاته‌ [١٧] و توابعه؛ بل هويته نور من حيث هو هويته. و ذلك أن الشى‌ء من حيث‌


[١] : الإشارة الموجودة هنا لم نعثر عليها بحروفها فى المنشور من «أثولوجيا»، لكنه يستنتج و بقية الفقرة مما سنورده بعد خاصا بالفقرة ج.


[١] و إن‌

[٢] هداها

[٣] غير واضح المعنى‌

[٤] المتاخرين‌

[٥] و هم‌

[٦] و شغل فى شغل‌

[٧] أى‌

[٨] العقل يهتدى إليه الفكر

[٩] الإيثار

[١٠] البدن‌

[١١] الحلو: ناقصة

[١٢] فسيصدق‌

[١٣] وقع‌

[١٤] نور

[١٥] فيقبل ... فيكون وصول ...

[١٦] م: شى‌ء

[١٧] حتى يكون ... من صفاته: ناقصة