كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٤٨ - المقالة و الميمر الثاني
كان فى هذا العالم و فى تحصيلها على هيآتها [١] الجزئية طالبا لها من حيث كانت جزئية. و لا يجوز أن تنالها من حيث إنها جزئية، فقد علم أن النفس بمجرد ذاتها لا تباشر المعانى من حيث هى [٢] جزئية، و النفس الزكية تعرض عن هذا العالم و هى متصلة بعد بالبدن و لا تحفظ ما يجرى فيه عليه، و لا أحبت أن تذكره: فكيف الفائز (ة) [٣] بسعادة التجرد المحض مع الاتصال بالحق! [١] العالم الأعلى فى حيز السرمد و الدهر هو عالم ثباتى ليس عالم التجدد الذي فى مثله يتأتى أن يقع الفكر و الذكر، إنما عالم التجدد عالم الحركة و الزمان. فالمعانى العقلية الصرفة و المعانى العقلية التي تصير جزئية مادية كلها هناك بالفعل، فكذلك حال أنفسنا [٤].
و الحجة فى ذلك أنه لا يجوز أن تقول إن صور المعقولات حصلت فى الجواهر التي فى ذلك العالم على سبيل الانتقال من معقول إلى معقول، و قد بين ذلك فلا يكون هناك انتقال من حال إلى حال حتى إنه لا [٥] يقع أيضا للمعنى الكلى تقدم زمانى على المعنى الجزئى كما يقع هاهنا حين تكتسب المعلومات «فيحصل الكلى أولا، ثم تأتى الحال الزمانية (ف) يحصل التفصيل»، بل يكون العلم بالمجمل من حيث هو مجمل، و المفصل من حيث هو مفصل معا، لا يفصل بينهما الزمان. و إذا كان هكذا فى الجوهر الذي هو كالخاتم، فكذلك هو فى [١٤٩ ا] الجوهر الذي هو كالشمع: فإن نسبة الجوهر الذي هو كالشمع حين ترتفع [٦] العوائق إلى الذي هو كالخاتم نسبة واحدة فلا [٧] يتقدم فيها انتقاش عنه و لا يتأخر آخر، بل الكل معا.
و نقول إن كل شىء، كليا كان أو جزئيا، تحصل صورته فى هذا العالم، و كل جزئى فإنه مدرك هناك على الجهة التي لزمت من أسبابه، و هى جهة تجعل الجزئى كليا- قد بيّن
[١] : «إن كل علم كائن فى العالم الأعلى الواقع تحت الدهر لا يكون بزمان، لأن الأشياء التي فى ذلك العالم كونت بغير زمان. فلذلك صارت النفس لا تكون بزمان. و لذلك صارت النفس تعلم الأشياء التي كانت تتفكر فيها هاهنا أيضا بغير زمان، و لا تحتاج أن تذكرها لأنها كالشيء الحاضر عندها. فالأشياء العلوية و السفلية حاضرة عند النفس لا تغيب عنها إذا كانت فى العالم الأعلى» (ص ٥ س ١٨- ص ١٦ س ٤).
[١] ثباتها- و هو تحريف
[٢] هو
[٣] الزيادة عن ت
[٤] الفساد- و هو تحريف
[٥] إنه يقع
[٦] ترفع
[٧] م: و لا، و التصحيح عن ت