كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٢٧ - و من كتاب الانصاف شرح كتاب حرف اللام للشيخ الرئيس ابن سينا على بن الحسين بن عبد اللّه

معقول، و أنه ليس يعقل الأشياء على أنها أمور خارجة عنه يعقلها منها كحالنا عند المحسوسات، بل يعقلها فى ذاته: فإنه لا يجب أن يكون كونه عقلا بسبب وجود الأشياء المعقولة حتى يكون وجودها جعله عقلا؛ بل الأمر بالعكس. و يقول: إن كان للاول شى‌ء يكمله، فليس بذلك الشرف سواء كان معقوله واحدا أو كثيرا.

قال أرسطوطاليس: و الطبيعة لنا كحال صالحة؛ و ما بعده يشير بهذا إلى أن مثل هذا المبدأ الذي يعقل ذاته و يعقل كمال حقيقته و شرفها فهو مغتبط بذاته ملتذّ بها و إن جل عن أن تنسب إليه اللذة الانفعالية، بل يجب أن تسمى بهجة أو شيئا آخر. فإنه لا محالة له بها ذاته، و علاء ذاته، و هو مدرك لها و ليس المعنى الذي يسمى فى المحسوسات لذة إلا نفس الشعور بالملائم و الكمال‌ [١] الواصل من حيث يشعر به و من حيث هو كذلك. فكيف الإدراك الأوّلى للكمال الخفى بالغاية؟ و كيف و نحن نلتذ بإدراك الحق و نحن مصروفون عنه مردّدون فى قضاء حاجات خارجة عما يناسب حقيقتنا التي بها نحن ناس! فنقول: إنا نحن مع ضعف تصورنا للمعقولات القوية و انغماسنا فى الطبيعة البدنية قد نتوصل على سبيل الاختلاس، فيظهر لنا اتصال بالحق الأول، فتكون كسعادة عجيبة فى زمان قليل جدا. و هذه الحال له أبدا؛ و هو لنا غير ممكن، لأننا بدنيون، و لا يمكننا أن نشيم تلك البارقة الإلهية إلا خطفة و خلسة. ثم قال: «فإن كان الإله أبدا كحالنا فى وقت ما فذلك عجيب، و إن كان أكبر فأكثر عجبا فله‌ [٢] ذلك». كأنه يقول: لو لم يكن للأول من الاغتباط بذاته إلا القدر الذي لنا فى الاغتباط به حين ننقطع بكنه الالتفات العقلى إلى جبروته رافضين للمعشوقات الطبيعية، ناظرين إلى الحق من حيث هو حق، منقطعين إليه عن الباطل من حيث هو باطل، فنغتبط به و بذواتنا من حيث نتصل به، ثم دام ذلك القدر سرمدا- فذلك عجيب عظيم جدا؛ و إن كان أكثر من ذلك سرمدا أو غير مقيس إليه- فذلك أعجب و أعظم. فإن اللذة فعل لذلك، أى كونه بالفعل ليس انفعالا، و إنما هو كمال إدراك و كونه‌ [٣] بالفعل للإدراك المخصوص بالملائم. و لهذه العلة نلتذ بالتيقظ، لأنه إدراك، و بالخير من حيث يستعمل و لا يعطل، و الفهم و التصور لذيذ لنفسه لأنه حياة تامة، فإن الحياة كالقوة على هذا،


[١] ن: الكلام.

[٢] إن هذا من شأنه لأنه إله.

[٣] أى: و اللذة فضلا عن أنها فعل، فهى إدراك للملائم، و هذا يزيد فى كمالها.