كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٢٦ - و من كتاب الانصاف شرح كتاب حرف اللام للشيخ الرئيس ابن سينا على بن الحسين بن عبد اللّه
و لو جاز أن تفصم العلاقة لتلاشى و بطل. فكل شىء باعتبار ذاته باطل هالك إلا وجه الحق الأول، هو الحق لذاته و الأشياء الأخرى حقيقة وجودها، جلّت قدرته.
و قوم ظنوا أن هذه الضرورة واجبة فى نفسها و لم يميزوا بين الضرورى شرطا و الضرورى حقا، و قالوا ما هذه حكايته. فقلت لأبى بشر: فإذ [١] من الضرورة على ما هى عليها، فأى موقع للعلة الأولى فى أمرها؟ فقال دوام الحركة. و هذا محال، فإن موقع الحق الأول هو أن الضرورة من قبله و لا ضرورة لشىء فى ذاته. و مما يدل على غفلتهم أنهم يجعلون الضرورة للشىء فى ذاته و الدوام من غيره، حتى تكون الضرورة التي فى نفسها لا تقتضى الدوام ما لم يمدّ من غيره. و العجب من وجود حركة ليس دوامها مقتضى ضرورتها، و هى ضرورية لا من جهة مذهبها فتكون حركة توجد من غير علقة بمحركها.
بل الحركة: وجودها، و ضرورية وجودها من حين توجد، و دوام وجودها- كلّه معلق بأسباب الحركة؛ و اللّه تعالى نرفعه عن أن نجعله سببا للحركة فقط، بل هو مفيد وجود كلّ جوهر يمكن أن يتحرك فعلا عن حركة السماء. فهو الأول، و هو الحق، و هو مبدأ ذات كل جوهر، و به يجب كلّ شىء سواه، و تأتيه الضرورة عند النسبة التي يجب أن يقع بينه و بينه.
قال ثم يقول: «فإذن بمبدإ مثل هذا علّقت السماء»، يعنى فإذن بأول و مبدإ مثل هذا واحد بسيط معقول الذات بذاته، عقله غيره أو لم يعقله، خير محض، معشوق للكل من حيث لا تشعر به، منبجس عنه الضرورة إلى الأشياء حتى تكون للموجودات ضرورة من قبله و من قبل سلطانه الذي لا سلطان للعدم المطلق [١٤٠ ا] من الأشياء معه، بل إما أن يمنع العدم أصلا أولا و أخيرا، و إما أن تعرض منه قوة على الوجود المتيسر عند الاستعداد بحسب قبول المنفعلات،- فبمبدإ مثل هذا علّق هذا الكل. و يعنى بالتعليق قوام الذات به و تجزؤه به لا بحركتها، فإن ذلك أمر خسيس. فإنه و إن كان ذلك أيضا.
منه فلا يحسن أن يقتصر عليه كما يفعله هؤلاء المفسرون.
و مما يحسن ثامسطيوس [٢] فيه أنه يصرح بأن المبدأ الأول يعقل ذاته، ثم من ذاته يعقل كل شىء، فهو يعقل العالم العقلى دفعة من غير حاجة إلى انتقال و تردد من معقول إلى
[١] أى إذا كانت الضرورة كما بيّنا ..
[٢] راجع قبل ص ٢٠.