كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٢٤ - و من كتاب الانصاف شرح كتاب حرف اللام للشيخ الرئيس ابن سينا على بن الحسين بن عبد اللّه

الفلك أن يجعلوه مبدأ لجوهر الفلك. و يقول: أما ظنهم أن حركة الفلك قد صح فى أمرها أنها ضرورية لا ابتداء لها و لا انتهاء- فظن نحتاج أن تتأمّل مقتضاه، فنقول: إنهم لم يثبتوا أن جسم الفلك يجب وجوده فى نفسه، ثم إذا وجد وجب أن يكون له حركة، و أنه إذا لم يكن له الحركة بطل ذاته. بل قالوا إذ الفلك موجود، و إذ هو متحرك، فيجب ألا يكون لحركته ابتداء، فعلقوا كون الحركة دائمة بكونها [و] قد وجدت. فإذن ضرورة كونها متحركة دائما هو أنه وجد فيها [١] الحركة. و لا يجب من هذا أنه تجب لها الحركة كيف كان؛ (و) حتى لو فرضناها موجودة و لم يعرف أنها قد تحركت مرة، لم تجب من ذلك أن تكون لها حركة لا دائمة و لا غير دائمة. فبين من هذا أن مثبت الحركة للفلك على هذه الحجة لم يتعدّ إلى أن يثبت موجد ذاته و أنه كيف صدرت عنه مادته، و كيف صدرت عنه صورته.

و بالجملة، فإن من العجائب أن يكون مشته متقبل به أزليا [٢]. فيجب لذلك أن يكون المتقبل به، من غير زيادة سبب يزاد على هذا، باقيا على الدوام، متحركا، مع تناهى قوته- إن لم يكن هناك سبب آخر و فيض يصير المعشوق و الغاية باعتبار ذلك الفيض مبدأ تأثير و فعل، ثم يعود مرة أخرى بسبب ما يؤثر فيصير مبدأ شوق و مشتهى كالمعشوق. و ما ينفع العاشق المتناهى القوة أن يكون معشوقه إنما يعشقه فقط و هو باق دائم، من غير أن يكون بينهما علاقة أخرى غير العشق. و من العجب أيضا أن يكون الشى‌ء لم يتسبّب لجرم السماء و لا لنفسه، بل يمثل معشوقا لنفسه. و ذلك لا محالة بعد وجود نفسه. و هذا هو الفصمة [٣] بينهما فقط، ثم يقال إنه سبب لنفسه من غير أن يتقدم، فيقال إنه من أى جهة هو سبب لجرم السماء؟ و من أى جهة هو سبب لنفس السماء؟ حتى إذا جعلا موجودين تمثل لنفس السماء معشوقا يحركه الدهر كله. ثم كيف يمكن أن يعقل الأول شى‌ء قائم فى جسم متحرك معه بالعرض لأنّه يصير له بحسب أجزائه التي تتبدل أماكنها أجزاء. فإنا قد برهنا على أن مثل هذا المعقول، بل ذلك معقول بعقل يعد غير منطبعه فى مادة. فمن مثل هذه الأشياء يعلم تبلدهم و تشوّشهم و عجزهم و بعدهم عن تقرير الحق. قال ثم يقول: و الأول مرتض‌ [٤] و ملائم، أى هذا الأول الذي قلنا إنه أول النظام المعقول مرتض‌ [٥]، أى أنه فى ذاته بحيث‌


[١] كتب فوقها: بها.

[٢] ن: أزلى.

[٣] بكسر الفاء- الكسرة، أى الفاصل أو الفارق. راجع ص ٢٦ س ١.

[٤] ن: مرتضى.

[٥] ن: مرتضى.