علم المعاني - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٣٨
لمقتضيات البلاغة يحسن توكيد الخبر له إزالة للشك و تمكينا للخبر من نفسه.
و في الحالة الثالثة قد يكون المخاطب على علم بالخبر و لكنه منكر جاحد له، و عندئذ يجب أن يلقى الخبر مؤكدا بمؤكد أو أكثر تبعا لدرجة إنكاره قوة و ضعفا.
على هذا الأساس إذا ألقي الخبر إلى خالي الذهن منه بالصورة التي يجب أن يلقى بها إلى المنكر له، كان في ذلك خروج على مقتضيات البلاغة من جهة وجوب مطابقة الكلام لحال السامع الذي هو أصل من أصول علم المعاني.
كذلك من أصول علم المعاني أن يخاطب كل إنسان على قدر استعداده في الفهم و حظه من اللغة و الأدب، فلا يجوز أن يخاطب العامي بما ينبغي أن يخاطب به الأديب. فعكس الأمر هنا بلا داع فيه إخلال بما تتطلبه بلاغة المعنى، لانعدام الملاءمة بين الكلام و مقامه.
و لعل فيما رواه صاحب الأغاني من حديث أحمد بن خلاد عن أبيه ما يوضح بالمثال هذا الأصل القائل بأن البلاغة هي في مخاطبة كل إنسان على قدر استعداده في الفهم و حظه من اللغة و الأدب.
«قال أحمد بن خلاد: حدثني أبي قال: قلت لبشار: إنك لتجيء بالشيء الهجين [١] المتفاوت! قال: و ما ذاك؟ قال: قلت: بينما تقول شعرا يثير النقع، و تخلع به القلوب، مثل قولك:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية
هتكنا حجاب الشمس أو تمطر الدما
إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة
ذرى منبر صلى علينا و سلما