علم المعاني - عبد العزيز عتيق - الصفحة ١٠
و قال عبد اللّه بن محمد بن جميل المعروف بالباحث: البلاغة الفهم و الإفهام، و كشف المعاني، و معرفة الإعراب، و الاتساع في اللفظ، و السداد في النظم، و المعرفة بالقصد، و البيان في الأداء، و صواب الإشارة، و إيضاح الدلالة، و المعرفة بالقول، و الاكتفاء بالاختصار عن الإكثار، و إمضاء العزم على حكومة الاختيار ... قال: و كل هذه الأبواب محتاج بعضها إلى بعض، كحاجة بعض أعضاء البدن إلى بعض: لا غنى لفضيلة أحدها عن الآخر، فمن أحاط معرفة بهذه الخصال فقد كمل كل الكمال، و من شذ عنه بعضها لم يبعد من النقص بما اجتمع فيه منها ... قال: و البلاغة تخير اللفظ في حسن إفهام.
تلك طائفة من أقوال البلغاء في تحديد مفهوم البلاغة كما تصوّرها كل واحد منهم، و منها يمكن تحديد مفهوم البلاغة بأنها: وضع الكلام في موضعه من طول و إيجاز، و تأدية المعنى أداء واضحا بعبارة صحيحة فصيحة، لها في النفس أثر خلاب، مع ملاءمة كل كلام للمقام الذي يقال فيه، و للمخاطبين به.
و لعل تعريف عبد اللّه بن محمد بن جميل للبلاغة هو الأقرب إلى هذا التعريف، كما أن مفهوم أبي الحسن الرماني للبلاغة متصل أكثر بأصلها و مباحثها.
و لكن البلاغة قبل هذا و بعد هذا فن قولي يعتمد على الموهبة و صفاء الاستعداد، و دقة إدراك الجمال، و تبين الفروق الخفية بين شتى الأساليب. و لا بد لطالب البلاغة من أمرين: قراءة عميقة متصلة لروائع الأدب و حفظ ما يستجيده منه، و مران على التعبير من وقت لآخر عن بعض ما يجول في الخاطر و تحبش به النفس. و لا شك أن تضافر هذين الأمرين معا يعينان على تكوين الذوق الأدبي و نقد الأعمال الأدبية و الحكم عليها.
و من السهل أيضا أن نلتمس في أقوال البلغاء السابقة عناصر