علم المعاني - عبد العزيز عتيق - الصفحة ١٤٤
١- تقديم السبب على المسبب: و من أمثلة ذلك قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، فهنا قدمت العبادة على الاستعانة لأن تقديم القربة و الوسيلة قبل طلب الحاجة أنجح لحصول الطلب، و أسرع لوقوع الإجابة.
و لو قال: «إياك نستعين و إياك نعبد» لكان جائزا، ألا أنه لا يسد ذلك المسد، و لا يقع ذلك الموقع.
و على نحو منه قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَ نُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَ أَناسِيَّ كَثِيراً. فقدم حياة الأرض و إسقاء الأنعام على إسقاء الناس و إن كانوا أشرف محلا، لأن حياة الأرض هي سبب لحياة الأنعام و الناس. فلما كانت بهذه المثابة جعلت مقدمة في الذكر، و لما كانت الأنعام من أسباب التعيش و الحياة للناس قدمها في الذكر على الناس، لأن حياة الناس بحياة أرضهم و أنعامهم، فقدم سقي ما هو سبب نمائهم و معاشهم على سقيهم.
٢- تقديم الأكثر على الأقل: كقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ.
و إنما قدم الظالم لنفسه للإيذان بكثرته و أن معظم الخلق عليه، ثم أتى بعده بالمقتصدين، لأنهم قليل بالإضافة إليه، ثم أتى بالسابقين و هم أقل من القليل، أعني من المقتصدين.
و هكذا قدم الأكثر و بعده الأوسط ثم ذكر الأقل آخرا، و لو عكست القضية لكان المعنى أيضا واقعا في موقعه، لأنه يكون قد روعي فيه تقديم الأفضل فالأفضل.
و ضابط هذا النوع هو أنه إذا كان الشيئان كل واحد منهما مختص بصفة فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت في الذكر كهذه الآية، فإن السابق بالخيرات مختص بصفة الفضل، و الظالم لنفسه مختص بصفة الكثرة. فعلى هذا يقاس ما يأتي من الأشباه و النظائر.